« تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ ، قَلِيلًا زَلَلُهُ ، خَاشِعاً قَلْبُهُ ، قَانِعَةً نَفْسُهُ ، مَنْزُوراً « 1 » أَكْلُهُ ، سَهْلًا أَمْرُهُ ،
حَرِيزاً « 2 » دِينُهُ ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ ، مَكْظُوماً « 3 » غَيْظُهُ » .
فقد أشار الإمام عليه السلام في هذه العبارة إلى قصر الأمل ، لأنّ طول الأمل - كما ورد في الروايات - ينسي الآخرة ونسيان الآخرة طامة كبرى تفرز مختلف المعاصي والذنوب .
صحيح أنّ وجود الأمل لدى الإنسان مدعاة للحركة والنشاط ، كما جاء في الحديث النبوي الشريف :
« الأَمَلُ رَحْمَةٌ لِامَّتى ولَوْلا الأَمَلُ ما رَضَعَتْ والِدَةٌ وَلَدَها ولا غَرَسَ غارِسٌ شَجَراً » « 4 »
. ولكن إن تجاوز هذا الأمل الحد وتبدل إلى أمل طويل فإنّه يدفع جميع قوى الإنسان وأفكاره نحوالدنيا وينسيه كلّ شيء ، بل يتعذر حتى على الإنسان في ظلّ هذه الحالة أن يستثمر دنياه .
وإننا لنرى أنّ قلّة زلات المتّقين كونهم يبعدون أنفسهم عن مطبات الذنب وذكرهم الدائم للَّهتبارك وتعالى . وخشوع قلوبهم نتيجة لعرفانهم باللَّه ، لأنّ الإنسان كلّما ازداد إدراكه لعظمة المعبود ازداد خضوعه له ، وقناعة المتّقين معلولة لسعة أفقهم إزاء النعم الماديّة للدنيا ومتاعها وزخرفها ، وبما أنّهم يؤمنون بفنائها وزوالها فهم لا يجازفون في السعي للحصول عليها فيقتنعون منها بذلك المقدار اللازم ، وقلّة طعامهم لعلمهم بأنّ كثرة الأكل - وبغض النظر عمّا تفرزه من أنواع الأمراض - فإنّها تسلبهم حيوية العبادة ومناجاة اللَّه ، أضف إلى ذلك فإنّها تجعلهم يغفلون عن ذكر المعوزين من أهل الفاقة .
وجاء في الحديث عن الإمام عليه السلام في غرر الحكم :
« مَنِ اقْتَصَدَ في أكْلِهِ كَثُرَتْ صِحَّتُهُ وصَلُحَتْ فِكْرَتُهُ » .
هامش
( 1 ) . « منزور » من مادة « نزر » على وزن « نذر » قليل .
( 2 ) . « حريز » من مادة « حَرْز » على وزن « قرض » الحفظ و « حريز » الشيء المحفوظ .
( 3 ) . « مكظوم » من مادة « كظم » على وزن « هضم » ، ويقال « مكظوم » للشخص الغاضب والذي يتمالك نفسه .
( 4 ) . سفينة البحار ، ج 1 ، ص 30 ، مادة « أمل » ؛ بحارالأنوار ، ج 74 ، ص 173 .