قال :
« أنْ تُلينَ جَناحَكَ ، وتُطيبَ كَلامَكَ ، وتَلقى أخاكَ بِبِشْر حَسَن » « 1 » .
والعبارة :
« غَائِباً مُنْكَرُهُ »
تشير إلى انعدامه ؛ أي لا يبدر منه أي منكر إزاء الآخرين .
ويحتمل أن يكون المراد أنّه لو بدرت منهم زلّة ، فهي ليست بزلّة علنيّة على الأقل لتلوث المجتمع .
والعبارة :
« حَاضِراً مَعْرُوفُهُ »
إشارة إلى جميع المحاسن التي يقرّها العقل والوجدان والشرع وليست غريبة عليها ( من مادة عرفان بمعنى المعرفة ) .
والمراد من
« مُقْبِلًا خَيْرُهُ ، مُدْبِراً شَرُّهُ »
أنّهم مندفعون على الدوام في الإتيان بأفعال الخير ، وإن كانت لهم من أعمال سيئة في الماضي فهم يسعون إلى هجرانها والابتعاد عنها .
ثم أشار إلى ثلاث من صفاتهم الحميدة فقال :
« فِي الزَّلَازِلِ « 2 » وَقُورٌ « 3 » ، وفِي
الْمَكَارِهِ صَبُورٌ ، وفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ » .
والمراد من
« زلازل »
الحوادث الأليمة والفتن العظيمة التي تهز القلوب . فالمتقون يربطون جأشهم إزاء هذه الخطوب ولا يفقدون معنوياتهم ويقفون إزاءَها كالجبل الأصم الذي لا تحركه الرياح العاتية ،
« الْمُؤْمنُ أصْلَبُ مِنَ الْجَبَلِ » « 4 »
فهم صامدون وهذا يدل على أنّ التقوى لا تعني الاعتزال عن المجتمع والخلود إلى الدعة والراحة ، بل المتقون الحقيقيون هم أولئك الذين يتصدون للأحداث الصعبة ويسعون جاهدين وبكل شجاعة لإنقاذ أنفسهم ومجتمعاتهم ممّا يعصف بها من خطوب .
والصبر على المكاره يمثل أحد فروع الصبر الذي يشمل كلّ مصيبة وحادثة أليمة . فالمتقون ثابتون وصامدون في هذا الميدان ، ذلك لأنّ الجزع إزاء المصائب
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 103 .
( 2 ) . « زلازل » جمع « زلزلة » و « زلزال » بمعنى الحركة الشديدة والصعبة . ويقال الزلازل للشدائد من الأحداث .
( 3 ) . « وقور » من « وقر » على وزن « فقر » تعني فيالأصل الثقل ويقال الوقور للشخص الذي لا يضطرب .
( 4 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 241 .