تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
يكون هو المعني فيعطيه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الراية ، نادى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام وسلّمه الراية فلم يرجع إلّابعد أن فتح خيبر واستسلم له أهلها ، هذه دلالة على الأهميّة الفائقة للراية وحاملها في ذلك الزمان ، وقد تكرر نفس هذا المعنى في عصر علي صلى الله عليه وآله مالك الأشتر النخعي وقال له علمت بوقوفك في القتال وشجاعتك ولولا ذلك لدفعت الراية إلى غيرك ، فردّ عليه بالقول : « لأسرنّك اليوم يا مالك أو اقتل شهيداً » « 1 » . ثم أشار الإمام عليه السلام في وصيّته السابعة والأخيرة إلى قضية أخرى من تكتيكات الحرب أنذاك فقال : « أَجْزَأَ امْرُؤٌ قِرْنَهُ « 2 » ، وَآسَى « 3 » أَخَاهُ بِنَفْسِهِ ، وَلَمْ يَكِلْ قِرْنَهُ إِلَى أَخِيهِ ، فَيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قِرْنُهُ وَقِرْنُ أَخِيهِ » . يتضح المفهوم الدقيق لهذا الكلام فيما لو دققنا بصورة صحيحة على وضع الحروب في ذلك الزمان ، فقد كانت للمعركة في ذلك الوقت ثالث صور ( وأحياناً كانت تتحقق الصور الثلاث في نفس المعركة ) : الأولى : أن يتقدم أحد الشجعان وسط الميدان ويدعو شجاعاً آخر من العدو لمبارزته ، فيتبارزان حتى يهلك أحدهما . الثانية : أن يتقدم الميدان عدّة أفراد ليقف كل واحد منهم أمام خصمه فيبدأ بينهم القتال . الثالثة : أن تدور المعركة بين المعسكرين بأكملهما طبعاً هناك صورة رابعة تكون المعركة فيها غادرة كأن تنهال طائفة على فرد فتنزل عليه ضرباتها من كل جانب ، ويبدو أنّ العبارة تشير إلى هذه الصورة الثانية التي يبرز فيها عدّة أفراد إلى أمثالهم ، وفي هذه الحالة لا ينبغي لأحد أن يترك خصمه لآخر ، بل يبارز كل واحد خصمه فيراعي المساواة والمواساة وتقف من خلال هذه الوصايا على مدى خبرة الإمام عليه السلام بفنون القتال حيث يعرّف أصحابه على أدق تفاصيل القتال قبل البدء فيه .
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة للعلّامة التستري 13 / 558 . ( 2 ) « قرن » : الكفؤ وعدل الإنسان في الشجاعة في ميدان القتال ويطلق أحياناً القرن على كل كفو ، وقد اشتق فيالأصل من قرن بفتح القاف والاقتران الذي يعني الاقتراب بين شيئين أو عدة أشياء ، ومن هنا يقال للزمان الطويل قرن حيث تكون فيه طائفة من الأجيال مع بعضها . ( 3 ) « آسى » : من مادة « وسى » على وزن مشى بمعنى عاون والمواساة تعني المعاضدة ومساعدة كل واحد الآخر .