وصيّته الأولى بهذا الشأن : « فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ « 1 » ، وَأَخِّرُوا الْحَاسِرَ « 2 » » .
فمن الطبيعي أن يكون قليلًا هو الضرر الذي يتعرض له من يلبس الدرع بفعل السهام والسيوف ، ومن هنا لا يسع العدو السيطرة عليهم ، ومن لم يتدرع يمكنه أن يواصل قتاله وهجماته من خلفهم ، والذي يستفاد من هذه العبارة وجود فئة في ميدان القتال لم ترتدي الدرع ، وذلك إمّا يعود إلى الأزمات والمشاكل التي يعيشها المجتمع الإسلامي ، أو أنّ ارتداء الدرع كان يثقل على البعض ويعيق حركته في ميدان القتال ، ولذلك كان الأشداء من المقاتلين هم الذين يتدرعون .
وقال عليه السلام في وصيّة الثانية :
« وَعَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ « 3 » ، فَإِنَّهُ أَنْبَى « 4 » لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ « 5 » » .
وكما ذكرنا في شرح الخطبة الحادية عشرة أنّ لهذه الخطبة فائدتان ، الأولى إزالة الخوف والرعب ، أو الحدّ من هذا الخوف إلى أقلّ درجة ، ومن هنا فانّ الإنسان يعمد إلى إطباق أسنانه على بعضها حين الخوف بهدف إزالته ، والأخرى تبقي على صلابة عظام الرأس فلا تتأثر كثيراً بضربات السيف .
وقال في الوصيّة الثالثة :
« وَالْتَوُوا « 6 » فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ ، فَإِنَّهُ أَمْوَرُ « 7 » لِلْأَسِنَّةِ » .
والوصيّة أشبه بما يقال اليوم ، إن أراد أحد أن يرميك تحرك يميناً وشمالًا ، أي عليك بتغيير موضعك باستمرار حتى لا يتمكن العدو من التصويب باتجاهك .
جدير بالذكر أنّ بعض شرّاح نهج البلاغة أشار أنّ المراد بالانعطاف والانحناء حين الهجوم بالحربة على العدو ، فانّ ذلك يضاعف من دقّة الحربة لمواجهة ضد جسد العدو ، لكن
هامش
( 1 ) « الداع » : بمعنى لابس الدرع من مادة درع على وزن فعل .
( 2 ) « الحاسر » : من لا درع له من مادة حسر على وزن عصر بمعنى العري .
( 3 ) « أضراس » : جمع « ضرس » على وزن حرس الإنسان وردت بمعنى سن العقل .
( 4 ) « أنبى » : من مادة « نبو » على وزن عفو بمعنى عدم العمل .
( 5 ) « الهام » : جمع « هامة » على وزن قامة رأس الإنسان أو رأس أي موجود حي .
( 6 ) « التووا » : من مادة « التواء » بمعنى الانعطاف أو الميل لهذا الجانب وذاك .
( 7 ) « أمور » : من مادة « مور » على وزن غور بمعنى الحركة السريعة ، كما وردت بمعنين الذهاب الإياب والاضطراب وهذا هو المعنى المراد في العبارة .