تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
بالإلتفات إلى الوصايا السابقة واللاحقة لهذه الوصية والتي تبيّن فنون الدفاع ، فانّ المعنى الأول يبدو هو الأنسب ، لا سيّما التعبير بالحرف في لا يتناسب والمعنى الثاني ، بينما يتناسب ما اخترناه حتى التعبير الأمور المأخوذ من مادة مور والذي يعني الاضطراب . وقال في الوصيّة الرابعة بعض النظر ( وعدم النظر إلى كثرة العدو وآخره ) فذلك أسكن للقلب : « وَغُضُّوا الْأَبْصَارَ ، فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأْشِ « 1 » ، وَأَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ » . تختلف هذه الوصيّة عن سابقاتها لاشتمالها على بعد نفسي ونعلم جميعاً أنّ روحية الجنود كلما كانت مرتفعة كان الأمل بالنصر أكثر ، ومن هنا أكّد الإمام عليه السلام هذا المعنى مراراً وقد مرّ علينا نموذج ذلك في الخطبة 11 و 66 . وقال في الوصية الخامسة : « وَأَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ ، فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ » . من الطبيعي أنّ الإنسان حين ينشغل بالحديث فانّه يستهلك جانباً من قواه الفكرية وكذلك جانباً من طاقته البدنية ويحد من تركيزه الفكري والالتفات إلى حملات العدو المبرمجة ، ومن هنا فانّ العدو الصامت البعيد عن الضوضاء والضجيج يبدو أخطر من غيره . ولذلك ورد بشأن معركة بدر أنّ قريش تعجبت من قلّة عدد جيش الإسلام وتصورت أنّ عدد المسلمين أكثر ممّاترى ولعلهم إختفوا خلف التلة حيث يردون ميدان القتال في الوقت المناسب ، فبعثوا بعمير بن وهب لينظر أطراف الميدان ، فركب فرسه وجعل ينظر حول الصحرا ولم ير شيئاً ، فعاد وقال : عدد المسلمين يقارب الثلاثمائة ، إلّاأنّي رأيتهم مستعدين للقتال ولا يقوى أحد على مواجهتهم ، أمّا ترونهم خرسا لا يتكلمون ، يتلمذون تلمذ الأفاعي ما لهم ملجأ إلّاسيوفهم وما أراهم يولون حتى يقتلوا ولا يقتلون حتى يقتلوا بعددهم « 2 » . وقال في الوصيّة السادسة : « وَرَايَتَكُمْ فَلَا تُمِيلُوهَا وَلَا تُخِلُّوهَا « 3 » وَلَا تَجْعَلُوهَا إِلَّا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ ، وَالْمَانِعِينَ الذِّمَارَ « 4 » مِنْكُمْ » .
هامش
( 1 ) فسرّت هذه المفردة سابقاً . ( 2 ) منتهى الآمال ، ج 1 ، وقائع العام الهجري الثاني . ( 3 ) « تخلّوا » : من مادة « تخلية » بمعنى الإخلاء والترك ، وعليه فالصحيح فتح الخاء لأنّها من باب التفعيل . ( 4 ) « ذمار » : بكسر الذال ما يلزم الرجل حفظه وحمايته .