تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
ثم أتمّ كلامه باستدلال منطقي قائلًا : « فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ « 1 » هُمُ الَّذِينَ يَحُفُّونَ بِرَايَاتِهِمْ ، وَيَكْتَنِفُونَهَا : حِفَافَيْهَا « 2 » ، وَوَرَاءَهَا وَأَمَامَهَا ؛ لَايَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا ، وَلَا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا » . كان للراية أهميّة خاصة في ميدان القتال في الأزمنة الماضية ، وذلك لدورها في ارتباط الصفوف والتحامها ، وحين كان ينهمك المقاتلون وسط الميدان وجوانبه بالقتال ، كانوا يلتفون حين الضرورة حول الراية لإعادة تنظيم صفوفهم وشن الحملات من جديد ، وإن سقطت الراية اضطرب العسكر وأحياناً كان ينهار ، ولذلك‌ترى العدو يسعى جاهداً للإحاطة بالراية ، بينما يحاول الطرف الآخر الابقاء على الراية مرفوعة وهو يدافع عنها بكلّ ما أوتي من قوّة ، فقد كان سقوطها يعني الهزيمة ، وزبدة الكلام فانّ انتصاب الراية دليل على القدرة وسبب قوّة وعزيمة المقاتلين وحلقة اتصالهم مع بعضهم ، ولهذا ما انفك الإمام عليه السلام عن التأكيد وصاياه بحفظ الراية ، حيث أكد من جهة ضرورة ثبوت موضع الراية وأنّ حماتها من أشجع الأفراد ، ومن جهة أخرى يوصي حملة الراية بعدم التخلي عنها ومراقبتها من جميع الجهات ، لا أنّ يتخلفوا عنها ولا يتقدمواعليها ، ويضحوا بالغالي والنفيس من أجل حفظها بفضلها علامة الاقتدار والشموخ وورد في شأن غزوة خيبر التي . لف الفريقان بخصوصها عشرات الروايات أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أعطى الراية في اليوم الأول إلى أبي بكر فلم يتمكن من فتح قلاعها ، وفي اليوم الثاني أعطاها عمر بن الخطاب ، فلم يفلح ، فقال صلى الله عليه وآله : « لَأُعطِيَنَ الرايةَ غَداً رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ويُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَرّارٌ غَيرُ فَرّارٍ يَفتَحِ اللَّهُ عَلَيهِ » « 3 » . فامتدت الأعناق في اليوم التالي ليروا من هو ذلك الرجل ، وقد تمنى كل فرد ( شجاع ) أن
هامش
( 1 ) « الحقائق » : جمع « حاقة » على وزن جادة النازلة الشديدة . ( 2 ) « حفافي » : مثنى « حفاف » على وزن كتاب بمعنى جانب الشيء وحفافيها هنا إشارة إلى جانبي الراية يمينهاوشمالها . ( 3 ) الكامل لابن الأثير 2 / 219 ، وتفسير الثعلبي ( طبق نقل غاية المرام ، / 467 ) وصحيح مسلم ، ج 4 كتاب الفضائل الصحبة الحديث 32 ؛ صحيح البخاري 5 / 171 باب غزوة خيبر ( طبعاً ذكرت الجملة الأخيرة فقط بشأن علي عليه السلام في صحيح البخاري مسلم ) .