هناك من منافاة بين هذا الكلام والتفسير الآخر الذي عنى الوسيلة هنا بشفاعة أولياء اللَّه ؛ لأنّ كل هذه الوسائل يمكن جمعها في الآية الشريفة .
على كل حال فانّ الوسيلة الأولى التي ذكرت هي الإيمان ؛ الإيمان باللَّه والنبي ، لأنّ الإيمان أساس الحركة البناءة والفاعلة .
الطريف في كلام الإمام عليه السلام أنّه تطرق في كل نقطة دليلها بصيغة تعليل وفلسفة لكافة الواجبات العشر الواردة في العبارة ، سوى مسألة الإيمان باللَّه والنبي . وذلك لأنّ هذه المسألة غنية عن ذكر الدليل ، وبعبارة أخرى فانّ أساس الصالحات والخيرات واعمال البر إنّما يكمن في الإيمان ، وبدونه ليس هنالك من حركة نحو الفرائض الإلهية والواجبات الدينية . فالأمر على درجة من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى دليل .
ثم أشار عليه السلام إلى الواجب الثاني :
« والجهاد في سبيله ، فإنه ذروة « 1 » الإسلام »
وللجهاد هنا معنى واسع يشمل الجهاد العلمي والإعلامي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكافة الجهود والمساعي البناءة من أجل النهوض بالأهداف الإسلامية وحتى جهاد النفس ، إلى جانب الجهاد العسكري والمقاومة ضد العدو .
والعبارة
« ذروة الإسلام »
تفيد عدم جدوى الجهاد ما لم يكن عاماً شاملًا . وقد قال الإمام عليه السلام في موضع آخر من نهج البلاغة بشأن فلسفة الأحكام ومنها الجهاد :
« والجهاد عن للإسلام » « 2 » .
ورغم سعي إعداء الإسلام إلى استغلال مفردة الجهاد الإسلامي وإساءة تفسيرها من خلال وصفها بالعنف إلّاأنّهم يغفلون عن المعنى الواقعي للجهاد والذي يتمثل بالصمود من أجل الحياة ومقاومة العناصر الهدامة ؛ وهو الأمر الذي أودع طبيعة كل إنسان .
فالحق أنّ الحياة لتتعذر علينا ولو ضعفت الخلايا ليوم واحد كتلك التي ركبت في بدن الإنسان وتقوم بوظيفتها في الدفاع عنه ومهاجمة المكروبات والجراثيم التي تحاول اختراق البدن ، وما المرض الخطير الذي يصطلح عليه بالايدز إلّااختلال القوى الدفاعية للبدن .
فالمجتمع الذي يتخلى عن الجهاد إنّما يكون كهذا المريض المصاب بالايدز ، فيصبح مسرحاً
هامش
( 1 ) « ذروة » على وزن قبلة أعلى الشيء .
( 2 ) نهج البلاغة ، الحكمة 252 .