فهو لا ينزجر بأي زاجر ولا يكترث لأيناهى ، ولايتعظ بموعظة واعظ ولا يصغي إلى نصح ناصح ، والحال يرى بأم عينيه من يؤخذ بغتة لاصفح ولاعقو ولا رجعة
« لا ينزجر من اللَّه بزاجر ، ولا يتعظ منه بواعظ ، وهو يرى المأخوذين على العزة « 1 » حيث لا إقالة « 2 »
ولا رجعة ، كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون ، وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون ، وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون ، فغير موصوف ما نزل بهم » .
نعم فمن يرى بعينه كل يوم تقلب أحوال الدنيا وغدرها بأهلها لابدّ أنّ يكون يقظاً ، يستمع إلى الوعظ والنصح وينتهى بنهي الآخرين ، إلّاأنّ المؤسف له هو أنّ حب الدنيا والتكالب عليها والاغترار بزخارفها ليعمي عين الإنسان ويصم سمعه ويستحوذ على فكره بحيث لا يسمح له بأن يفيق إلى نفسه .
تأمّل : العشق المقدس والهجين
لقد أشار الإمام عليه السلام بعبارة قصيرة بليغة إلى حقيقة مهمة ، طالما استغرق فيها العلماء والعرفاء والشعراء والأدباء .
فقد قال عليه السلام :
« من عشق شيئاً أعشى بصره ، وأمرض قلبه ، فهو ينظر بعين غير صحيحة ، ويسمع باذن غير سميعة »
، وقد دفعتنا هذه العبارة لأن نتحدث عن العشق ، المقدس منه الايجابي ، والمستهجن السلبي . فقد قيل الكثير في العشق وعظمته وجنونه وأمراضه ، ولعلها من الكلمات القل التي وردت بشأنها كل هذه التعبيرات والتعاريف المختلفة والمتناقضة . فقد سمى به بعض الكتاب إلى درجة جعلتهم يرونه بمثابة ضابط الحياة والسعادة الأبدية ! أو أنّ العشق معمار عالم الوجود .
كما أنّ تحدثوا عن إعجازاته بالنسبة للإنسان حيث ينشط روح الإنسان ويملأ قلبه حيوية وحركة ، بل قيل بانعدام طعم الحياة بدونه .
هامش
( 1 ) « غرة » بمعنى الغفلة من مادة « غرور » بمعنى الخداع ، حيث يستغفل هذا الخداع الإنسان ويأخذه بغتة .
( 2 ) « إقالة » من مادة « قيل » على وزن سيل بمعنى فسخ المعاملة ، وقيل معناها الأصلي انقاذ الإنسان من السقوط ، ووردت في الخطبة بمعنى العفوعن الذنوب .