وزرع وثمار
« وجعلت فيها مأدية « 1 » : مشرباً ومطعماً وأزواجاً وخدماً وقصوراً وأنهاراً
وزروعاً وشماراً » .
قطعاً أنّ الهدف من بيان هذه الأمور هو تطهير الإنسان من الرذائل والأدناس والذنوب والمعاصي وسوقه إلى القرب من اللَّه سبحانك : وقد وفرها الحق جميعا لعباده بصفتها تشجع الإنسان على الثبات في الطريق القويم ومواصلته .
ثم قال عليه السلام :
« ثم أرسلت داعياً يدعو إليها ، فلا الداعي أجابوا ، ولا فيما رغبت رغبوا ، ولا إلى ما شوقت إليه اشتاقوا » .
فهم لم يكتفوا بعدم الرغبة بتلك النعم المطهرة الخالدة ، بل اقبلوا على جيفة نتنة افتضحوا بأكلها والعجيب في الأمر أن كلمتهم اتفقت على حبها :
« أقبلوا على جيفة « 2 » قد افتضحوا
بأكلها ، واصطلحوا على حبّها » .
طبعاً مراد الإمام عليه السلام من ارسال الداعي هو بعث الأنبياء ولا سيما نبي الإسلام صلى الله عليه وآله والمراد بعدم إجابة الدعوة لا تشمل جميع الناس ؛ بل الأغلبية من أهل الدنيا المفارقين للآخرة من اتباع الهوى والشهوات .
ومن هنا فقد شبههم بالحيوانات المفترسة التي تنهال على جيفة فتفضح نفسها ؛ وذلك لأنّ الرائحة النتنة لتلك الجيفة تفوح من فمها ويدها .
وقوله عليه السلام :
« واصطلحوا على حبها »
لا يعني عدم وجود النزاع بين أهل الدنيا ، بل هم دائماً كالحيوانات التي تجتمع حول جيفة نتنة وتهجم عليها ليتناول كل قطعة منها . والمراد أنّهم اتفقوا على حبها .
وتشبيه الدنيا بالجيفة ، هو تشبيه ورد في بعض الروايات ، وذلك للتعفن الكامن في باطن
هامش
( 1 ) « المأدبة » بضم الدال وفتحها ما يصنع من الطعام للمدعوين في عرس ونحوه ، والمراد هنا نعيم الجنّة ، منمادة أدب التي تعني في الأصل الدعوة .
( 2 ) « جيفه » بمعنى الميتة ، وأصلها من مادة « جَيَفَ » و « الأجيف » بمعنى الأنتن ، ولذلك فان كل شيء فاسد ونتنيُشَبَهُ ب « الجيفة » ، ومن هنا فقد شَبهت الخطبة أعلاه الدنيا المادية بأنها « جيفة » .