تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
الدنيا التي تختزن أنواع الظلم والذنب ، أو لأنّ أصحاب الدنيا يهبون للتنازع والاقتتال بهدف سلبها من بعضهم البعض الآخر . ثم بيّن الإمام عليه السلام نتيجة هذا الحب للدنيا بشكل قاعدة كلية وعامة وهى : « ومن عشق « 1 » شيئاً أعشى « 2 » بصره ، وأمرض قلبه ، فهو ينظر بعين غير صحيحة ، ويسمع باذن غير سميعة » . فقد ركز الإمام عليه السلام على نقطة يكشف فيها عن حقيقة وهى أنّ حب الدنيا وعشق زخرفها وزبرجها وزينتها المادية إنّما يسلب الإنسان اصدار الأحكام بصورة صحيحة ، بحيث يحسب أنّ سعادته وموفقيته إنّما تتمثل بالوصول إلى هذه الدنيا المادية ، مهما كان وكيفما كان الطريق المؤدي إليها . ومن الطبيعي أن يتعذر على مثل هذا الفرد تشخيص الحق من الباطل والمصالح من المفاسد . فهو ينطلق بشكل جنوني نحو لذات الدنيا ، فإذا أفاق رأى نفسه وقد فقد كل شيء . وسنتحدث في البحث القادم ان شاء اللَّه عن حقيقة العشق وآثاره . وتختتم هذا البحث بالحديث النبوي الشريف : « من جعل الدنيا أكبر همه ، فرق اللَّه عليه همه ، وجعل فقره بين عينيه » « 3 » . ثم قال عليه السلام : « قد خرقت الشهوات عقله ، وأماتت الدنيا قلبه ، وولهت عليها نفسه » . فقد شبه الإمام عليه السلام العقل في العبارة الأولى بالثوب ، الذي يمكنه أن يحفظ الإنسان ويكون له زينة ، أمّا الشهوة فهي تمزق ثوب العقل الجميل . وفي العبارة الثانية وصف غلبة الشهوات على العقل بأنّه موت للعقل . كما أشار عليه السلام في العبارة الثالثة إلى أنّ حب الدنيا والرغبة فيها قد أحاط بجميع كيان أهل الدنيا وطلابها . وعليه فمثل هذا الإنسان عبد للدنيا ، ولمن في يده شيء من حطامها : « فهو عبد لها ، ولمن يده شيء منها ، حيثما زالت زال إليها ، وحيثما أقبلت أقبل عليها » .
هامش
( 1 ) « عَشَقَ » من مادة « عشق » على وزن فكر بمعنى العلاقة الشديدة بالشيء . و « عشقه » على وزن ثمرة بمعنى الشجرة الخضراء اليانعة ، والتي لا يمر عليها الا وقت قصير فتصبح صفراء وذابلة . وبعضهم قال : ان العشق أشتق في الأصل من هذه المادة ، وذلك لان العاشق يصبح نحيفاً ذابلًا . ( 2 ) « أعشى » من مادة « عشو » على وزن « خشم » بمعنى ضعف النظر وعدم قدرة العين على الابصار بصورةجيدة ، وتأتي أحيانا بمعنى العمى الليلي أو العشو ليلًا . ( 3 ) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 3 / 63 .