وبالمقابل فهناك طائفة من الكتاب والفلاسفة الذين صعدوا من حملاتهم واتهاماتهم للعشق ليصوره كمرض مقيت يدعو إلى التقزز . فقد قال أحد الكتاب المعروفين : علينا أن نرى العشق عبارة عن عصارة الأدمغة الخاوية إن لم نقل بأنّه نوع من الجنون .
وقال كاتب آخر : أنّ العشق كمرض السرطان والنقرس الذي ينبغي أنّ يفر منه الإنسان العاقل .
فالتفسيرات المتناقضة للعشق تشير إلى أنّ العلماء والمفكرين لم يتحدثوا جميعاً عن شيء واحد . فهناك من تكلم عن العشق المقدس الذي يضفي القدسية والطهارة على الإنسان ، ويشده بقوته الفائقة نحو معشوقه الحقيقي خالق الوجود .
أمّا من ذمه منهم فإنما قصد به ذلك العشق المادي والمفعم بالخطايا والرذائل والجنايات الذي يفضي غالباً إلى المرض والفضيحة والشقاء .
فالإنسان في العشق المادي يقبل بجنون على الشيء الذي يتعلق به ويعشقه ، ويضحي بكل مالديه من أجله . فالمراد بهذا العشق هو تلك القوة السحرية التي تقود الإنسان إلى المعصية والذنب والخطيئة ، وكل ما قيل في ذمه فهو قليل .
فهذه القوة الطاغية تخرب العقل وتشل حركته وفاعليته بحيث يقدم الإنسان على الأعمال الجنونية الطائشة .
وتتمثل أولى مخاطر ذلك بتعظيمه العيوب والقبائح . فمثل هؤلاء العشاق يبتكرون أنواع التفاسير المذهلة لأقبح العيوب .
فهم لا يقبلون النصح ولا يصغون إلى الوعظ ، بل يهبون أحياناً للوقوف بشدة بوجه الناصحين والوعاظ .
والغريب في الأمر أنّ الأشخاص الذين يعيشون مثل هذا العشق المادي الجنوني يشعرون أنّهم بلغوا إدراكاً حرم منه معظم الآخرين .
فهم يعيشون في هالة من الأوهام والخيالات ولايفهمون سوى لغة العشق الطائش ، فلا يفهمون لسان العلم والمنطق الذي يحدثهم به الآخرون .
وبالطبع فان جذبة هذا العشق غالباً ما تطفئ بالمجامعة !
نفحات الولاية — صفحة 369
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٦٩