القسم الثالث : عالم الآخرة
« سُبْحَانَكَ خِالِقاً " وَمَعْبُوداً ! بِحُسْنِ بَلَائِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ . خَلَقْتَ دَاراً ، وَجَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبَةً : مَشْرَباً وَمَطْعَماً ، وَأَزْوَاجاً وَخَدَماً ، وَقُصُوراً ، وَأَنْهَاراً ، وَزُرُوعاً ، وَثِمَاراً ؛ ثُمَّ أرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو الَيْهَا ، فَلا الدَّاعِيَ أَجَابُوا ، وَلَا فِيَما رَغَّبْتَ رَغِبُوا ، وَلَا إِلَى مَا شَوَّقْتَ الَيْهِ اشْتَاقُوا . أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدْ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا ، وَاصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا ، وَمَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ ، وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ ، وَأَماتَتِ الدُّنْيَا قَلْبُه ، وَوَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا ، وَلِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا ، حَيْثُما زَالَتْ زَالَ إلَيْهَا ، وَحَيْثُما أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا ؛ لَا يَنْزَجِرُ مِنَ اللَّهِ بِزَاجِرٍ ، وَلَا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ ، وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ ، حَيْثُ لَا اقَالَةَ وَلَارَجْعَةَ ، كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ ، وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ ، وَقِدِمُوا مِنَ الاخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُوَنَ .
فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ » .
الشرح والتفسير
تحدث الإمام عليه السلام هنا عن الدار الآخرة وخلق الجنّة وما تضمه من نعم جمة فقال عليه السلام :
« سبحانك خالقاً ومعبوداً ! بحسن بلائك عند خلقك »
فقد خلقت تلك الدار العظيمة ( الآخرة ) وجعلت فيها مختلف النعم من مشارب ومطاعم وأزواج وخدمة وقصور وأنهار