أضف إلى ذلك فهي لا تموت ولا تتغير بسبب الزمان ، ولا تمرض ولا تشيب وتعجز .
فوجود هذه المميزات وإن كانت من علامات شرف خلقة الملائكة ، وأنّ الإنسان لاشك هو أسمى مقاماً منها من هذه الناحية . إلّاأنّ سبب عظمة الإنسان وأفضليته على الملائكة إنّما تعود إلى روحه التي أشارت إليها الآية الشريفة : « نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي » « 1 » .
ومن هنا سجد الملائكة كلهم أجمعون لآدم عليه السلام .
أمّا هدف بيان الإمام عليه السلام لكل هذه الصفات ما أراد ذكره في العبارات اللاحقة
« وأنّهم على مكانهم منك ، ومنزلتهم عندك ، واستجماع أهوائهم فيك ، وكثرة طاعتهم لك ، وقلّة غفلتهم عن أمرك ، لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك لحقروا أعمالهم ، ولزروا « 2 » على أنفسهم ،
ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك ، ولم يطيعوك حق طاعتك » .
نعم فالملائكة ورغم تلك المعرفة والمقام الشامخ ، فهي قاصرة عن معرفة عظمته ودائرة صفاته في الجمال والجلال ، وعليه فلو فرض تعرفها على اللَّه كما هو ، لأكتشفوا أنّهم لم يعبدوه كما هو أهله ولم يطيعوه كما يستحقه . وكل ما أدوه ذرة لا قيمة لها ولاوزن .
فالعبارة تفيد من جانب أنّ معرفة الإنسان باللَّه كلما تسامت ، تضاعفت عبادته وطاعته للَّه . كما تفيد من جانب آخر أنّ أحداً لم يعبد اللَّه حق عبادته ، كما أنّ أحداً لم يعرف اللَّه حق معرفته ، وذلك لأنّ الإنسان والملك - حتى أعظم الناس والملائكة - إنّما هو وجود محدود ، والذات الإلهية ليست محدودة ، فليس لهذا المحدود أن يؤدي حق عبادة اللَّه ولاطاعته ولامعرفته . أمّا التعبير بالأهواء جمع هوى في العبارة
« واستجماع أهوائهم فيك »
فلا تعني هوى النفس وشططها ، بل تعني الحب والرغبة ، لانّ لهذا اللفظ معنيان . وبعبارة أخرى يستعمل أحياناً في الحب الإيجابي وأخرى في السلبي . والمراد بالعبارة أنّ الملائكة ركزت حبّها وعشقها في اللَّه سبحانه والعبارة
« قلة غفلتهم عن أمرك »
تفيد امكانية غفلة الملائكة ، إلّاأنّها طفيفة جداً . وشاهد ذلك الروايات الواردة في بعضي الملائكة في ترك الأولى . وعليه فلا حاجة لذلك التكلف الذي صرح به بعض شرّاح نهج البلاغة من أنّ القلة هنا تعني العدم .
هامش
( 1 ) سورة الحجر / 29 .
( 2 ) « زروا » من مادة « زرى » على وزن سعى العيب والتوبيخ واللوم ، والازراء بهذا المعنى أيضاً .