ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه في الإشارة إلى بعض الصفات الثبوتية والسلبية لملائكة قائلًا :
« هم أعلم خلقك بك ، وأخوفهم لك ، وأقربهم منك » .
فالصفات الثلاث مرتبطة مع بعضها ؛ لأنّه المعرفة العظمى للملائكة بالنسبة لذات اللَّه تؤدي إلى خوفها ، الخوف من التقصير في إداء الوظائف والمسؤوليات ، والخوف الناشئ من عظمته وهيبة مقامه . والصفتان تؤديان إلى قرب الملائكة من اللَّه .
وهنا يبرز هذا السؤال كيف أنّ الملائكة أعلم من جميع المخلوقات باللَّه وأقربها إليه ، والحال أنا نعلم أنّ أنبياء اللَّه - ولا سيما نبي الإسلام - وحتى بعض الصالحين أفضل من الملائكة ، وأفضل دليل على ذلك سجود كافة الملائكة لآدم ، وأفضليته عليهم من حيث العلم والمعرفة ، وقد ورد في الحديث أنّ طائفة من الملائكة تقوم على خدمة الأنبياء والصلحاء والمؤمنين ، كما هناك الحديث المشهور عن تركيب خلق الإنسان من العقل والشهوة والملائكة من العقل دون الشهوة ، فانّ غلب عقله شهوته كان أفضل من الملائكة ، هو الآخر دليل على أفضلية الإنسان على الملائكة « 1 » ويمكن القول في الإجابة على هذا السؤال : المراد الأعلمية والقرب النسبي ، وبعبارة أخرى فانّ العبارة المذكورة شبيه الحصر الإضافي ، كما يمكن القول أنّ العبارة حكم عام يستثنى منه الأنبياء والأولياء .
ثم أشار إلى صفاتهم السلبية بعدم وجود نواقص في الملائكة على غرار الناس ، فذكر أربع صفات منها :
« لم يسكنوا الأصلاب ، ولم يضمنوا الأرحام ، ولم يخلقوا من ماء مهين « 2 » ولم
يتشعبهم « 3 » ريب « 4 » المنون » .
من الواضح أنّ الاستقرار في مكان محدود كصلب الأب ومن ثم رحم الام ، والخلق من قطرة ماء تبدو تافهة ، لهو نقص في الإنسان ؛ والحال ليست الملائكة كذلك ، فلا من زواج ولا ولادة كالإنسان .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة 11 / 164 ، أبواب جهاد النفس ، الباب 9 ، ح 2 .
( 2 ) « مهين » من مادة « مهانة » بمعنى الضعة والحقارة وماء مهين إشارة إلى المني الذي ليس له قيمة من حيثالمقدار ولا الظاهر .
( 3 ) « يتشعبهم » من مادة « تشعب » التفرق ، وشعبة بمعنى الفرع الذي فصل عن الأصل .
( 4 ) « ريب » كل شك وترديد ، ومنون حوادث الدهر أو الموت .