مسبب الأسباب فتخيب نتيجة هذا السعي وتنجح تلك دون سعي وجهد ، إلّاأنّ هذه أمور استثنائية مختصة به سبحانه ثم قال عليه السلام :
« وأحصى آثارهم وأعمالهم ، وعدد أنفسهم ، وخائنة أعينهم ، وما تخفي صدورهم من الضّمير »
وليس هذا فقط فحسب بل
« ومست قرّهم ومس تودعهم من الأرحام والظّهور ، إلى أن تتناهى بهم الغايات »
ذهب بعض شرّاح نهجالبلاغة إلى أنّ المراد بالآثار يعني آثار وطئهم في الأرض ، كما فسرها البعض الآخر بما يبقى من الإنسان في العالم . وفسروا عدد الأنفس بعدد الناس في كل زمان ومكان ، كما فسرت بعدد الأنفاس ( ويصح هذا التفسير إذا كانت العبارة في النسخة أنفاس ، كما نقل ذلك بعض شرّاح نهجالبلاغة وهو الأنسب لما قبل هذه العبارة وما بعدها ) . أمّا المراد بخيانة العين النظر الحرام ، أو غمز الآخرين من أهل العفة والحياء . وأمّا العبارة
« وما تخفي صدورهم »
فهي إشارة إلى النيات الحسنة والقبيحة والطاهرة والفاجرة والعقائد المختلفة . والمستقر رحم المرأة الذي تستقر فيه نطفة الرجل والمستودع صلب الرجل الذي يضم النطفة قبل انتقالها إلى الرحم .
والعبارة :
« إلى أن تتناهى بهم الغايات »
أي إلى أن يحشروا في القيامة ، ولا يصح ما ذهب إليه بعض الشرّاح من تفسيرها بالجنّة والنار لعدم انسجامها والعبارات السابقة . عل كل حال فالعبارات تشير إلى علمه سبحانه بسبعة أمور عن الإنسان ، من قبيل الأعمال والحركات والعين والأنفاس والعقائد والنيات ومنذ ظهور النطفة في صلب الرجل إلى انتقالها إلى رحم الامُ مروراً بالولادة ومراحل الحياة وأخيرا الموت ، ليعلم الإنسان بأنّه في عين اللَّه على كل حال فيلتفت إلى أعماله وحركاته وسكناته . والحق أنّ كلماته عليه السلام إنّما تستد إلى الآيات القرآنية الكريمة ، كالآية : « وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ » « 1 » والآية :
« يَعْلَمُ خائِنَةَ الأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ » « 2 » والآية : « وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ » « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة يس / 12 .
( 2 ) سورة غافر / 19 .
( 3 ) سورة هود / 6 .