تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
ووجوده المقدس قبل الخلق العالم ، فهي تلمح إلى نعمه سبحانه على الخلق ، وذلك لأنّ ظلمة الليل وسكون البحر من نعمه سبحانه ، فالأولى تدعو إلى النوم والراحة التي تلعب دورا بالغاً في بناء البدن والروح ، والثانية في الملاحة والصيد واستخراج ما في أعماق البحر من لؤلؤ ومرجان . والعبارة : « جبل ذوفجاج » أي أنّ الجبال لو كانت كالجدران متصلة لانفصلت بقاع الأرض عن بعضها واختلت الحركة عليها ، بينما اقتضت حكمة اللَّه فصلها لتيسير الحركة والمشيي . « فج ذو اعوجاج » يمكن أن يكون المراد بها لولا انعطاف واعوجاج الأودية لأتت السيول بحركتها السريعة فجرفت كل شئ ، حيث حال ذلك الاعوجاج دون طغيان السيول وسيطر عليها . « أرض ذات مهاد » إشارة إلى الأراضي الواسعة الساكنة . « خلق ذواعتماد » إشارة إلى القدرة الروحية والجسمية التي منحها اللَّه للإنسان . ثم قال عليه السلام : « ذلك مبتدع الخلق ووارثه » ، فكل شئ زائل ولا يبقى سواه « وإله الخلق ورازقه » ، وكيف لا يكون إله الخلق ومعبودهم وهو بهذه الصفات والكمالات . أضف إلى ذلك فالرزق بيده وهو يفيضه على العباد . فهو جدير بالعبادة لعظمته وهو أولى بها شكراً لنعمه . ثم اختتم كلامه بالإشارة إلى نعمتين تفيدان قدرته وعظمته فقال : « والشّمس والقمر دائبان « 1 » في مرضاته : يبليان كلّ جديدٍ ، ويقرّبان كلّ بعيدٍ » فقد سمى الشمس والقمر دائبين لتعاقبهما على حال واحدة دائما لا يفترقان ولايسكنان . فالقمر في حالة حركة دائما ، إلّاأنّ نسب الحركة للشمس يمكن أن يكون إشارة إلى حركتها الظاهرية ( وان كانت في الواقع ثابته والأرض تدور حولها ) أو إشارة إلى سائر حركات الشمس ، بل جميع المنظومة الشمسية في المجرات . والجدير بالذكر أنّ أغلب عبارات الإمام عليه السلام قد اقتبست من آيات القرآن الكريم ، ومنها الآية : « وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِساطاً * لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً » « 2 » والآية « أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهاداً » « 3 » والآية « وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ دائِبَيْنِ » « 4 » .
هامش
( 1 ) « دائبان » مثنى « دائب » من مادة « دأب » و « دؤوب » على وزن قلب وقلوب بمعنى الاستمرار على عمل معين‌وفق عادة وسنة ثابتة . وعلى هذا الأساس ، يطلق على الشخص أو الشيء الذي يقوم بعمل أو برنامج معين بصورة مستمرة ودائمة وعلى حالة وسنة معينة بالدائب . ( 2 ) سورة نوح / 19 - 20 . ( 3 ) سورة النبأ / 6 . ( 4 ) سورة إبراهيم / 33 .