الأشعرِيون ! قال : إنك لتعلم أن الذي وصفتُ دون ما أصابك ، وقد نزل ذلك بك ودونك عكّالأشعريون ، فكيف كانت حالك لو جمعكما مأقِطُ الحرب ! فقال : يا أبا عبد الله ، خُضْ بنا الهزل إلى الجِدّ ، إن الجْبن والفرار من عليّ لا عَار على أحدٍ فيهما . « 1 »
ثم قال عليه السلام ردا على افتراء عمرو بن العاص :
« أما واللّه إنّي ليم نعني من اللّعب ذكر الموت »
فالإمام عليه السلام لا يغفل عن الموت طرفة عين ، وذلك لأنّ الموت قانون يشمل جميع الخلائق لا يعرف الاستثناء ولم يعنى له وقت ، ويعلم الإمام عليه السلام على وجه اليقين أن الموت هادم اللذات وأنّ الإنسان يتحول إلى وحش ضاري إذا نسي الموت ومحكمة العدل الإلهي . فهل للإمام عليه السلام من فرصة للمزاح واطلاق العنان للهوى وهو ما عليه من الذكر ؟ قطعا لا يجوز ذلك على الإمام عليه السلام ، بينما لم يدفع ابن البانغة للتفوه بذلك الكلام سوى نسيان الآخرة والغفلة عن الموت :
« وإنّه ليمنعه من قول الحقّ نسيان الْآخرة »
نعم إذا كذب أو افترى ولم يتورع عن القيام بأي عمل من أجل تحقيق مطامعه الدنيوية فذلك معلول لنسيانه الموت والآخرة . وما أسلفنا فان من نسي الآخرة وتجاهل العدل الإلهي أصبح كائنا خطيراً يخشى منه ، لأنّه لايتوانى عن ارتكاب أبشع الأعمال دون أن يكترث حتى لشرفه وحيثيته . ثم يستدل عليه السلام على ذلك بقوله :
« إنّه لم يبايع معاوية حتّى شرط أن يؤتيه أتيّةً ، « 2 » ويرضخ له على ترك الدّين رضيخةً « 3 » »
. فقد أشار الإمام عليه السلام بهذه العبارة إلى تلك الواقعة المعروفة بين الناس والتي أشرنا إليها في الخطبة السادسة والعشرين ، والقصة هي : لما نزل علي عليه السلام الكوفة بعد فراغه من أمر البصرة ، كتب إلى معاوية كتاباً يدعوه إلى البيعة أرسل فيه جرير بن عبداللَّه البجلي ، فقرأه واغتم بما فيه ، وذهبت به أفكاره كل مذهب ، وأحب الزيادة في الاستظهار ، فاستشار عمرو بن العاص ، فكتب له معاوية كتاباً ، فسار حتى قدم على معاوية . فقال له معاوية : إنّي أدعوك إلى جهاد علي بن أبي طالب . قال عمرو : واللَّه يا معاوية ما أنت وعلي حملي بعير ، ليس له هجرته
هامش
( 1 ) روى ابن أبي الحديد ذلك عن المؤرخ المشهور الواقدي ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 / 317 .
( 2 ) « الآتية » بمعنى العطية من الايتاء بمعنى الاعطاء .
( 3 ) « رضيخة » من مادة رضخ ، « رضخ » له رضيحة أعطاه قليلا ، والمراد بالعبارة أنّ عمرو بن العاص باع آخرتهودينه بذلك المتاع الزهيد من الدنيا ، ولا سيما أنّه لم يتمتع بذلك المقام سوى بضع سنوات .