بعض أصحابه بغية مواساتهم وتخفيف الهم والغم عن قلوبهم ؛ الأمر الذي يشاهد بوضوح في حياة إمامه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله . أما العدو فهذا ديدنه ، فهو لايكف عن الكذب والدجل والتشبث بأتفه الذرائع من أجل النيل من الطرف المقابل . ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه ليذكر ست صفات رذيلة إتصفت بها سيرة عمرو بن العاص :
« إنّه ليقول فيكذب ، ويعد فيخلف ، ويسأل فيبخل ، ويسأل فيلحف ، « 1 » ويخون العهد ، ويقطع الإلّ « 2 » »
لاشك أنّ كل من يطالع سيرة عمرو بن العاص وسجله الأسود يقف بوضوح على هذه الرذائل في شخصيته .
والخلاصة فقد كان وضيعاً ، لايتورع عن ارتكاب أفظع الرذائل من أجل الدنيا والظفر بحطامها ، فهو يعد إذا كانت الأمور لصالحه ، بينما يخلف إذا كانت بضرره . فقد كان يضحي بالغالي والنفيس من أجل الحصول على الدنيا ، ولا سيما أمام معاوية الذي كان شديد الحاجة إليه ، وهذا ما كان يدفعه إلى إعطائه ما يصبو إليه . أمّا نقضه للعهود والمواثيق فحدث ولا حرج ، بل كان لا يرحم حتى قرابته ومن له صلته به . وأخيراً دوره في التحكيم ليس بخاف على أحد . قال بعض المؤرخين أنّه عاش تسعين سنة ، وذكر اليعقوبي « 3 » أنّه عاش تسعين سنة ولما حضرته الوفاة قال لابنه : لود أبوك أنّه مات في غزات ذات السلاسل ، إني قد دخلت في أمور لا أدري ما حجّتي عنداللَّه فيها . ثم نظر إلى ماله فرأى كثرته فقال : يا ليته كان بعراً ، يا ليتني مت قبل هذا اليوم بثلاثين سنة ، أصلحت لمعاوية دنياه وأفسدت ديني ، آثرت دنياي وتركت آخرتي ، عمي عليّ رشدي حتى حضرني أجلي ، كأني بمعاوية قد حوى مالي وأساء فيكم خلافتي .
على كل حال ليس هنالك من لا يعلم بهذه الرذائل التي إنطوت عليها شخصية عمرو بن العاص . ثم أشار الإمام عليه السلام إلى أرذل الأعمال التي ارتكبها عمرو بن العاص في حياته ، العمل الذي إنعدم مثيله في التأريخ ، وذلك يوم صفين حين رأى نفسه مقتولا بيد علي عليه السلام فعمد إلى كشف عورته ، لأنه كان يعلم بأنّ حياء الإمام عليه السلام لايدعه ينظر إليه في تلك الحالة ، فاغتنم تلك
هامش
( 1 ) « يلحف » من مادة « الحاف » بمعنى الاصرار والالحاح واصلها من اللحاف وهو الغطاء المعروف ، ولما كانالشخص المصر يلف من حوله فقد أطلقت عليه هذ المفردة .
( 2 ) « الإل » ، العهد ، والميثاق ، كما تعني القرابة ، والمراد من قطع الال أن يقطع الرحم .
( 3 ) تأريخ اليعقوبي ( طبق نقل الغدير 2 / 175 ) .