تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
وأخذوا بالبكاء وا لعويل عليه ؛ وأنّ هذا الصراخ والعويل يقض مضجعه كلما خفت عليه غصص الموت وأفاق إلى نفسه ، فيتطلع إلى الموت الذي يراه بعينه وهى تدور يميناً وشمالًا من الخوف والرعب : « والمرء في سكرةٍ ملهثةٍ ، « 1 » وغمرةٍ كارثةٍ ، « 2 » وأنّةٍ موجعةٍ ، وجذبةٍ مكربةٍ ، « 3 » وسوقةٍ « 4 » متعبةٍ » . حقاً أنّ الاحتضار وسكرات الموت حالة عجيبة ! فهذا الإنسان الذي كان متربعاً بالأمس على عرش السلطة وقد زود بكافة الإمكانات وثمل من كأس الغرور وتفاخر على سائر الكائنات ، هو اليوم أسير الأمراض وقد صعبت حالته حتى يئس منه من حوله فتعالت أصواتهم بالبكاء والصراخ ، ولكن ما عسى ذلك أن يجيده نفعاً . وقد شحن التأريخ بالدروس والعبر بما تضمنه من قصص أصحاب القدرة حين طرحوا على فراش الموت واستسلموا له . فقد روي أنّ المأمون لما أثقل قال : أخرجوني أشرف على عسكري ، وانظر إلى رجالي ، وأتبين ملكي ، وذلك في الليل ، فأخرج فاشرف على الخيم والجيش وانتشاره وكثرته وما قد أوقد من النيران ، فقال : يا من لا يزول ملكه ، ارحم من قد زال ملكه ، ثم رد إلى مرقده وأجلس المعتصم رجلًا يشهده لما ثقل ، فرفع الرجل صوته ليقولها ، فقال له ابن ماسويه : لا تصح فواللَّه ما يفرق بين ربّه وبين ماني في هذا الوقت ، ففتح المأمون عينيه من ساعته ، وبهما من العظم والكبر الأحمرار ما لم ير مثله قط ، وأقبل يحاول البطش بيديه بابن ماسويه ، ورام مخاطبته ، فعجز عن ذلك ، فرمى بطرفه نحو السماء ، وقد إمتلأت عيناه دموعاً ، فانطلق لسانه من ساعته ، وقال : يا من لا يموت ارحم من يموت ، وقضى من ساعته ، وحمل إلى طوس فدفن فيها . « 5 » وفيه قال الشاعر :
هل رأيت النجوم أغنت عن الماء * مون شيئاً وملكه المأنوس خلفوه بعرصتي طرسوس * مثل ما خلفوا أباه بطوس
هامش
1 . " ملهئة " من مادة " لهث " على وزن فحص إخراج الكلب لسانه حين العطش والانزعاج ، ثم اطلفت على من يلهث بشدة وراء الأشياء . 2 . " كارثة " من مادة " كرث " على وزن بحث بمعنى شدة الهم والغم ، أو الأسباب التي تدعو إليها . 3 . " مكربة " من مادة " كرب " على وزن غرب بمعنى الوقوع في أسر الهموم . 4 . " سوقة " من ساق المريض نفسه عند الموت سوفا وأسرع في نزع الروح . 5 . مروج الذهب للمسعودي 3 / 456 .