القادم . أمّا قوله عليه السلام :
« نجيا »
فتعني الصوت الخفي ، ولعلها إشارة لمناجاته لربّه آنذاك واستغاثته بلطف اللَّه ورحمته ، أو الكلام الخفي لعسرة الامتحان والخوف من عدم الإجابة على السؤال .
تأمّلان
1 - وداع الأحياء للأموات
إذا مات الإنسان تغيرت كافة أوضاعه بالمرة ، فقد كان جزءاً من هذه العالم والجماعة حتى آخر لحظة من حياته ، أمّا الآن فلم يعد الأمر كذلك وعليه فالجيمع يسعى لتنحيته من هذا العالم ويسرع في التخلص منه فيودعونه ذلك المكان الذي يحول بينه وبين الدنيا ويقطع علاقته مع أهلها . يا لها من لحظات معبرة ! ليس له من إرادة ، لا يستطيع أن يأخذ معه شيئاً ، لا يسع أحد مساعدته وإن كان من أقرب المقربين . فسرعان ما تحمل جنازته إلى تلك الحفرة الموحشة المظلمة فيوسد فيها تحت التراب ، وليس معه سوى ذلك الكفن المتواضع ، فلم يعد هنالك من مجال لحمل الأسرة والتيجان ولاالتزين والتفاخر . هنا يوصي أميرَالمؤمنين علي عليه السلام باستحضار هذه اللحظات الحساسة بغية الوقوف بوجه طغيان هذه النفس ، كيف تغفلون عما ليس بغافل عنكم . كفى بالموت واعظا ، الذي ينقلكم من دار الأهل والانس إلى دار الوحشة والخوف ، كفى واعظا بموتى عاينتموهم ، حملوا إلى قبورهم غير راكبين ، وانزلوا فيها غير نازلين ، فكأنّهم لم يكونوا للدنيا عماراً ، وكأنّ الآخرة لم تزل لهم داراً . أوحشوا ما كانوا يوطنون ، وأو طنوا ما كانوا يوحشون ، لا عن قبيح يستطيعون إنتقالًا ، ولا في حسن يستطيعون ازدياداً « 1 » . حقاً أنّ لحظة ولادة الإنسان ودخوله الدنيا كخروجه منها عبرة لمن إعتبر ، فكلاهما يقع بمعزل عن إرادة الإنسان ، وليس للإنسان من قدرة على شئ في هاتين الحالتين ، ولو تأمل الإنسان هذا الأمر قليلا ، لما أصابه مثل ذلك الغرور الطغوى والنسيان . ورد في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام :
وفي قبض كف الطفل ولادة * دليل على الحرص المركب في الحي
وفى بسطها عند الممات مواعظ * ألا فانظروني قد خرجت بلا شئ
2 - سؤال القبر
تطرقت الخطبة إلى سؤال القبر الذي ورد صريحاً في الروايات الإسلامية ، كما ورد في
هامش
( 1 ) اقتباس من الخطبة 188 من نهجالبلاغة .