زورته ، « 1 » مفرد وحشته » .
نعم فأول مايواجهه هو ذلك اللباس المتواضع الخالي من أناقة ملابس الدنيا التي يجهد الخياطون أنفسهم أياماً وأحياناً أسابيع لخيطاتها ، فليس هنالك من فصال ولا قياس ولا حاجة لخياط ، اللباس الذي لا يعرف من معنى للغنى أو الفقر أو الشريف والوضيع . وأخيراً هو اللباس الذي فضح الدنيا وكشف النقاب لمن كان له بصيرة عن تقلب أحوالها وعدم دوامها . أمّا الصورة العنيفة الأخرى التي لها وقعها في النفس فهي حمله على التابوت والانطلاق به إلى مثواه الأخير ، دون أن يكون له أية إرادة واختيار ، فهو مستسلم لأنّ يطرح في حفرته ويوارى فيها التراب . وبالطبع فانّ هذا الإنسان المناقد اليوم ، هو الذي كان بالأمس يأمر وينهى ، وربما كانت إشارته كافية لأنّ يندفع له آلاف الأفراد ، وكان إذا رضى عفى عمن حوله ، وإذا غضب أمر بضرب الأعناق وإن كانت بريئة ، نعم هذه هي عاقبته ومصيره . وكالمعتاد فقد أسرع الأبناء والأحفاد والأقرباء والأصدقاء والاخوة لحمل التابوت على أكتافهم ، إلى أين ؟ إلى ذلك المكان الذي طالما كان يخشاه ، بل لايجرأ على الإتيان باسمه على لسانه ، وإذا مر به أشاح بوجهه عنه ، المكان الذي لم يبق له من رابطة باهل هذا العالم ، أنّه بيته الموحش المنسي . ثم قال عليه السلام :
« حتّى إذا انصرف المشيّع ، ورجع المتفجّع أقعد في حفرته نجيّاً لبهتة « 2 » السّؤال ، وعثرة الامتحان »
أجل قصيرة هي تلك المدة التي يرافقه فيها الأهل والمعزون ، فاخر عهدهم به حين ينزلونه القبر ، فإذا واروه التراب ودعوه وتركوه لوحده في حفرته ، وسرعان ما يكفكفون دموعهم ويخمد صراخهم حتى ينسوه بالتدريج ؛ في حين يعيش هو أصعب اللحظات وعليه أن يعد إجابات لما ستطرحه عليه الملائكة من أسئلة ، وهى الأسئلة التي تبدو إجاباتها واضحة ، لكنها تتطلب إستعداداً روحياً وعقائدياً ؛ الأمر الذي قد لا يكون الإنسان قد تزود له ، ومن هنا كان الامتحان عسيرا .
العبارة :
« أقعد في حفرته »
إشارة واضحة إلى سؤال القبر الذي سيمر علينا في البحث
هامش
( 1 ) « زوره » مصدر بمعين الزيارة واللقاء .
( 2 ) « بهتة » من مادة بهت الحيرة والاضطراب .