أمّا التعبير بالاخترام وبالالتفات إلى معنى هذه المفردة الذي يفيد القطع والقص ( ولذلك فسرّ بعض شرّاح نهجالبلاغة الموت المحزوم بالموت الذي يطيل الإنسان قبل مدته الطبيعية ) « 1 » كأنّه يشير إلى حقيقة وهى أنّ إحدى مشاكل الحياة الدنيا في أنّه قلّما يفارق أحد الدنيا بموت طبيعي ؛ أي أنّه يوظف كافة طاقاته من أجل البقاء بينما يأتيه الموت ، بل غالباً ما يخرق عمره بفعل مختلف العوامل سواءاً الداخلية أو الخارجية ، الجسمية أو النفسية وأخيرا الحوادث الفردية أو الاجتماعية ، ومن هنا لا يسع أي فرد أن يؤمل العيش ولو ليوم أو ساعة . والسؤال المطروح لم رغم كل هذه الأمور والحال
« لايرعوي الباقون اجتراما » ؟
ليس هنالك من جواب سوى الغفلة والجهل ووساوس النفس الامارة والشياطين الذين يحكمون سيطرتهم على الإنسان ويحجبون أبصارهم وبصائرهم عن رؤية الحقائق . فهو بالضبط كالطير الذي يرى الحبوب دون أن يرى المصيدة التي نصبها له الصياد .
تقلب الدنيا
لقد استفاضت الآيات القرآنية والروايات الإسلامية التي كشفت النقاب عن غدر الدنيا وتقلب أحوالها . وما أورع الصورة التي رسمها القرآن لهذه الدنيا حين شبهها بماء المطر :
« وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِراً » « 2 » . الخطبة التي نحن بصددها هي الأخرى رسمت صورة ناصعة لتفاهة الدنيا بحيث تهز عباراتها ضمير أهل الغفلة لتلفت إنتباههم إلى الآخرة ، وكثيرة هي خطب نهجالبلاغة التي وردت بشأن الدنيا ، ولعل السبب الذي يكمن وراء كل هذه التأكيدات هو أنّ العصر الذي عاشه الإمام عليه السلام قد أعقب تلك الفتوحات الإسلامية والتي جرت ثروات طائلة على البلاد الإسلامية ، حتى كانت آثار السلاطين والملوك النفسية من بين الغنائم التي كان تحصل عليها الجيوش الإسلامية ؛ الأمر الذي شد أنظار أغلب الأفراد إلى الدنيا ، وهذا ما أدى بالتالي إلى فساد المجتمع الإسلامي . فما
هامش
( 1 ) شرح نهجالبلاغة لابن ميثم البحراني 2 / 236 .
( 2 ) سورة الكهف / 45 .