تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
عبر عنها الإمام عليه السلام بالغرور الحائل ، لأنّ الغرور بالضم من لوازم الجمال الظاهري ، أمّا الغرور بالفتح تعنى الشخص الخادع ومن هنا اطلق الغرور على الشيطان . ولما كانت أمتعة الدنيا براقة فقد عبرعنها الإمام عليه السلام بالضوء ، إلّاأنّ هذا البريق ليس له دوام وسرعان ما يخفت ، الأمر الذي جعل الإمام عليه السلام ينعت ذلك الضوء بالآفل . وتتصف بظلها الوداع المؤقت كظل شعاع الشمس على الأشجار الذي سرعان ما ينقشع ويزول ، ومن هنا فان الظل الزائل الذي تمثله أمتعة الدنيا يمكن أن يكون ركنا يوثق به ، غير أنّه ركن خاو ، ولذلك عبر عنه عليه السلام بالسناد المائل . ثم أشار عليه السلام إلى سائر خصائص الدنيا ، وبعبارة أخرى فانّه تعرض للصفات المذكورة بتشبيهات وتعبيرات جديدة فقال عليه السلام : « حتى إذا أنس نفارها ، واطمان ناكرها ، قمصت « 1 » بأرجلها ، وقنصت « 2 » بأحبلها « 3 » ، وأقصدت بأسهمها « 4 » » فقد صور الإمام عليه السلام الدنيا ووضعها بثلاثة تشبيهات : الأول شبه الدنيا بمركب طيب الظاهر ، إلّاأنّه سرعان ما يجمع ويطرح راكبه أرضاً . ثم شبهها بالصياد الذي يرمي بشباكه وينثر فيها حبوب فخه فإذا اقترب صيده لم يجدله من سبيل إلى الهرب ، وأخيراً شبهها بالصياد الذي يكمن في الطريق فإذا شاهد صيده صوب إليه سهامه . والجدير بالذكر في العبارة « حتى إذا أنس نافرها . . . » انها تشير إلى حقيقة وهى أنّ خداع الدنيا ليس بالشئ إلهين الذي يمكن تجاوزه بسهولة ، بل تجر إليها أحياناً حتى الزهاد والعباد لتلقي بهم في حبائلها وشباكها ، ومن هنا ينبغي أن يلتفت الجميع إلى مدى خطورة هذه الدنيا الغرارة والمداومة على هذا الذكر : « اللّهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا » . ثم أشار عليه السلام إلى عاقبة أمر الإنسان فقال : « وأعلقت المرء أوهاق « 5 » المنية قائدة له إلى ضنك المضجع « 6 » ،
هامش
( 1 ) « قمصت » من مادة « قمص » على وزن شمس بمعنى رفع اليدين وطرحهما معاً ومنه قمص الفرس ، كماتستعمل هذه المفردة كناية عن الذل بعد العز . ( 2 ) « قنصت » من مادة « قنص » بمعنى الصيد والقانص الصياد . ( 3 ) « أحبل » جمع حبل . ( 4 ) « أسمهم » جمع سهم وجمعه الآخر سهام . ( 5 ) « أوهاق » جمع « وهق » على وزن شفق بمعنى الحبل الذي يربط به عنق الإنسان أو الحيوان . ( 6 ) « ضنك المضجع » ، ضنك يعني ضيق ومضجع الموضع الذي يضع الإنسان عليه ضلعه ، والمراد به في العبارة القبر .
نفحات الولاية — صفحة 213 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي