تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
ووحشة المرجع ، ومعاينة المحل ، وثواب العمل » لاشك أنّ طلاب الدنيا أهلها ليسوا مستعدين للتخلي عنها ، إلّاأنّها تلقي بحبل الموت بكل قسوة على أعناقهم ، فتخرجهم بالقوة من قصورهم الفارقة ودورهم العامرة لتوردهم تلك الحفر المظلمة الموحشة التي تملأه خوفاً واضطراباً ، والأنكى من ذلك زوال الحجب عن عينيه ورؤيته لموضعه الذي سيحله ، فإن كان مستحقاً للعذاب ، رأى بأم عينيه نار جهنم فيزداد خشية لمفارقته لدنيا بما فيها من مال ومقام وزوجة وولد . ثم يختتم كلامه عليه السلام بالإشارة إلى هذه الحقيقة وهى أنّ ما أورده الإمام بشأن الدنيا وأبناءها لا يختص بالماضيين أو بطائفة معينة من الناس ، بل يشمل الجميع الذين لابدّ لهم أن يشهدوا هذا الامتحان ويذوقوا الموت فما من خلود وبقاء سوى للَّه سبحانه ، حيث قال عليه السلام « وكذلك الخلف بعقب السلف ، لاتقلع المنية اختراماً « 1 » ولا يرعوي « 2 » الباقون اجتراماً « 3 » » . نعم فهم يعملون على غرار من سبقهم ويحذون حذوهم « يحتذون « 4 » مثالًا ، ويمضون أرسالًا ، « 5 » إلى غاية الانتهاء ، وصيور « 6 » الفناء » . فقد تضمنت العبارة الإشارة إلى أمرين : الأول الحذار من أن يتصور البعض أنه مستثنى من هذا القانون العام فيظنون أنّهم مخلدون في الدنيا باقون فيها . والثاني الاعتبار بالماضيين من خلال النظر إلى آثارهم ليروا أين حلوا ، وكيف كانوا :
من كان لا يطأ التراب برجله * يطأه اليوم بصفحة الخد ومن كان بينك وبينه شبران * فهو اليوم في غاية البعد
هامش
( 1 ) « أاخترام » من مادة « خرم » بمعنى أشق وهي تشير هنا إلى الحوادث التي تستأصل عمر الانسان . ( 2 ) « يرعوى » من مادة « رعوة » على وزن سهو بمعنى الرجوع والعودة من الجهل إلى العلم واصلاح النفس والجملة أعلاه « لا يرعوى الباقون احتراماً » إشارة إلى أن البعض لا بعتبرون من دروس العبرة التي تمربهم ولا يتراجعون ولا يتوبون من الذنوب التي اقترفوها وبالأخير فإنهم لا يقدمون على اصلاح أنفسهم . ( 3 ) « إجترام » من مادة « جرم » الذنب واقتراف السيئات . ( 4 ) « يحتذون » من مادة « حذو » على وزن حذف بمعنى القيام بالأعمال المشابهة ، ومن هنا وردت بمعنى الاقتداء في الأعمال ، وريد بها في العبارة يشاكلون بأعمالهم صور أعمال من سبقهم ويقتدون بهم . ( 5 ) « ارسال » جمع « رسل » على وزن عسل القطيع من الإبل والغنم والخيل ، أريد بها في العبارة من يتبع الآخرين دون أدنى فكر ومطالعه . ( 6 ) « صيور » على وزن قيوم من مادة « صير » على وزن سيل بمعنى الانتقال من حالة إلى أخرى ، وهي هنا صيغة مبالغه أريد بها مصيره وما يؤول إليه أمره .