من مياهها أكثر إرتفاعاً من سطح الأرض المجاورة لها بحيث يصعب التزود منه ، ومن هنا يحفر جزء من ساحل النهر ليمكن الوصول إلى ماءه بسهولة ، وتصطلح العرب على هذا الجزء الذي يسهل الوصول إلى الماء بالشريعة أو المشرع حيث ينتهى إلى الماء يطلق عليه المشرب ؛ فإذا تلوث المشرب بالطين والوحل أو تلوث الماء بحيث يتعذر التزود منه يعمد إلى إحداث شريعة بصورة مناسبة ، أو يجعل عليه قنطرة لحل تلك المشاكل . الغرض هو أن الإمام عليه السلام شبه نعم الدنيا بالماء ، إلّاأن المؤسف له هو أنّ الوصول إلى الماء يمر عبر الوحل ونقطة بلوغ الماء كانت موضعاً يلوث الماء ، ومن هنا فانّ هذا الماء يدعو إليه العطاش من بعيد ، إلّاأنّهم حين يصلوه يرون أنفسهم أمام سيل من المشاكل ، فلا يتمكنوا من الحصول على الماء العذب ، والحق أنّ هذا هو حال متع الدنيا كالمال والمقام وما إلى ذلك ؛ وذلك لأنّ نيل الدنيا يحتم على الإنسان الاغماض عن الكثير من الفضائل الأخلاقية واعتياد الكذب والغدر والخيانة والذل ، وكل من هذه الرذائل مستنقع يكمن في طريق الوصول ، فإذا وصل اصطدم بأنواع الحسد والطمع ؛ الأمر الذي يعكر صفو الماء . ثم قال عليه السلام
« يونق « 1 » منظرها ، ويوبق « 2 » مخبرها »
لقد ورد هذا التناقض لظاهر الدنيا وباطنها بعدّة صور في عبارات أئمة العصمة ، ومن ذلك ما ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام :
« فإنّما مثل الدنيا مثل الحية : لين مسها ، وقاتل سمها » « 3 »
ويشبهونها أحياناً بالمرأة الجميلة التي تقتل أزواجها الواحد تلو الآخر . وبالطبع فأنّ أوصاف الدنيا ليست بالخافية على الإنسان اللبيب ، فظاهرها أنيق ساحر وباطنها خطر قاتل . ثم قال عليه السلام :
« غرور حائل « 4 » ، وضوء آفل ، « 5 » وظل زائل ، وسناد « 6 » مائل »
ممّا لاشك فيه أنّ الدنيا تنطوي على عناصر الجمال والخداع ، إلّاأنّها تنتهي لمجرد أن يريد الإنسان التمتع بها ، ومن هنا
هامش
( 1 ) « يونق » من مادة « آنق » على وزن شفق يعجب ، وقوله عليه السلام « يونق منظرها » إشارة إلى المنظر العجيب للدنيا .
( 2 ) « يوبق » من مادة « وبوق » يهلك « وموبق » بمعنى مهلك .
( 3 ) نهجالبلاغة ، الرسالة 68 .
( 4 ) « حائل » من مادة « حال » بمعنى التحول والانتقال واطلاق « الحول » على السنة لتحولها . وعليه فالحائلالمتغير .
( 5 ) « آفل » من مادة « أفول » بمعنى الغياب ومنه أفول الشمس والقمر غروبهما .
( 6 ) « سناد » بالكسر ما يستند إليه وهو الدعامة ، ولما كانت الدنيا دعامة معوجة ولا يمكن الاستناد إليها عبرت عنها خطبة « سناد مائل » .