البرزخ فانّ الإمام عليه السلام لم يتطرق إلى ذلك ، بل خاض مباشرة في بعث الأموات وخروجهم من القبور والتي تمثل لب المطلوب فقال عليه السلام :
« أخرجهم من ضرائح « 1 » القبور ، وأوكار « 2 » الطيور ، وأوجرة « 3 » السباع ، ومطارح « 4 » المهالك » .
قد يفارق الإنسان الدنيا إثر الموت بصورة طبيعية ، وقد يموت في الصحراء لوحده ليكون جسده طعمة للحيوانات المفترسة ، وقد يفترسه أحياناً وحشاً ضارياً ، ويمكن أن يموت غرقاً في البحر ، كما قد تقتله الزلزلة فيبقى جسده تحت الانقاض ، فالإمام عليه السلام يخبر أنّ اللَّه سبحانه عليم بمواضع جميع هؤلاء وسينشرهم جميعا للحشر فيحاسبهم على أعمالهم . كما يشير عليه السلام ضمنياً إلى هذه المسألة وهى أنّ أحدا لا يعرف كيف سيفارق الدنيا ، وأي موضع سيحوي جسده ، الأمر الذي يدعو إلى الاعتبار فقد قال سبحانه بهذا الخصوص : « وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ » « 5 » . والآية كسائر الآيات الشريفة تعرض بصراحة للمعاد الجسماني ؛ لأن ما في القبور أو أعشاش الطيور وكهوف الوحوش هو تراب البدن وعظامه ، وإلّا فالقبر لا يضم الروح بعد مفارقتها للبدن ، وهذا ما سنتعرض له في المبحث القادم . ثم قال عليه السلام :
« سراعاً إلى أمره ، مهطعين « 6 » إلى معاده ، رعيلًا « 7 » صموتاً ، قياماً صفوفاً ، ينفذهم البصر ، ويسمعهم الداعي »
فالعبارة صورة حية عن وضع العباد في عرصة المحشر ؛ ويالها من صورة مرعبة مخيفة . وهى العبارة التي ورد شبيهها في القرآن بخصوص حركة الإنسان في المحشر من قبيل المفردة
« سِراعاً » « 8 »
و
« يَنْسِلُونَ » « 9 »
ويعبر أحياناً أخرى عن مدى سرعته بالقول ويعبر أحياناً أخرى عن مدى سرعته بالقول : « كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ » . « 10 »
هامش
( 1 ) « ضرائح » جمع « ضريح » بمعنى القبر ، أو الشق وسط القبر .
( 2 ) « أوكار » جمع « وكر » على وزن مكر بمعنى عش الطيور .
( 3 ) « أوجرة » جمع « وجار » الحفر التي تظهر إثر السيول في الأودية ، كما تطلق على كهف الوحوش .
( 4 ) « مطارح » جمع « طرح » الموضع الذي تطرح فيه الأشياء .
( 5 ) سورة لقمان / 34 .
( 6 ) « مهطعين » مادة « هطع » على وزن منع بمعنى الرعة المصحوبة بالخوف .
( 7 ) « رعيل » القطيع من الخيل أو الطيور .
( 8 ) سورة المعارج / 43 .
( 9 ) سورة يس / 51 .
( 10 ) سورة المعارج / 43 .