القسم الثالث : حقيقة الدنيا
« فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا رَدِغٌ مَشْرَعُهَا ، يُونِقُ مَنْظَرُهَا ويُوبِقُ مَخْبَرُها ، غُرُورٌ حائِلٌ ، وضَوْءٌ آفِلٌ ، وظِلٌّ زائِلٌ ، وسِنادٌ مائِلٌ ، حَتَّى إِذا أَنِسَ نافِرُها واطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا ، قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا ، وقَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا ، وأَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِها ، وأَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهاقَ الْمَنِيَّةِ قائِدَةً لَهُ إِلَى ضَنْكِ الْمَضْجَعِ ، وَوَحْشَةِ الْمَرْجِعِ ، ومُعايَنَةِ الْمَحَلِّ وثَوابِ الْعَمَلِ ، وكَذَلِكَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ ، لا تُقْلِعُ الْمَنِيَّةُ اخْتِراماً ، ولا يَرْعَوِي الْباقُونَ اجْتِراماً ، يَحْتَذُونَ مِثالًا ، ويَمْضُونَ أَرْسالًا ، إِلَى غايَةِ الإِنْتِهاءِ ، وصَيُّورِ الْفَناءِ » .
الشرح والتفسير
يعرض الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة بالذم الشديد الدنيا ، حيث كان حديثه عن دار الامتحان والعبرة ، فيشرح هنا خصائص هذه الدار بعبارات روعة في الفصاحة والبلاغة . من جانب آخر خاض الإمام عليه السلام في التقوى ، ونعلم أنّ العقبة الكؤود التي تعترض سبيل التقوى إنّما تكمن في حبّ الدنيا والتعلق بمادياتها ، ومن هنا ذمها الإمام عليه السلام ليحط من قدرها لدى الناس ويقوى عندهم حس التقوى . فقد أشار عليه السلام إلى ثمان من مميزات الدنيا فقال عليه السلام :
« فانّ الدنيا رنق « 1 » مشربها ، ردغ « 2 » مشرعها »
عادة ما يكون مستوى الأنهار التي يستفيد الإنسان
هامش
( 1 ) « رنق » صفة مشبهة بمعنى الكدر . وعليه فانّ العبارة ( رنق مشربها ) إشارة إلى كدر شرب الدنيا ، أمّا رونقفتعني الجمال ، وذلك لأنّ اللغة العربية تتضمن أحياناً مادة واحدة لمعنيين متضادين .
( 2 ) « ردغ » من مادة « ردغ » على وزن فتق كثير الطين والوحل . وفي التشبية الذي ورد أعلاه في الخطبة حيث وصفت الدنيا بمثابة نهر كبير ينتهي جريانه بماء مملوء بالطين والوحل .