تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
في علوه ، وعلوه معلول لقدرته ، بينما قربه معلول لنعمته ومنته . ثم أشار في العبارة الثانية إلى أنّه مصدر البركات الذي يفيض الغنيمة والفضل على العباد ، وفى نفس الوقت يكشف عنهم الكرب والبلاء ، وكيف لايرتجى منه ذلك وهو ما عليه من القدرة واللطف والمحبة . ولعلنا نلمس هذا المعنى في الآية القرآنية الكريمة : « وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ » . « 1 » ومن البداهة أنّ غير اللَّه - لأنّ قدرته محدودة - لا يسعه أي نعمة أو فضل ، كما لا يستطيع أن يدفع أي بلاء أو ضرر ، وليس هنالك مثل هذه الاستطاعة والقدرة سوى للذات المقدسة . ثم يخوض عليه السلام في علية الحمد والثناء ، بعبارة أخرى كان الحديث في العبارات السابقة عن صفات المنعم ، أمّا هنا فقد جرى الحديث عن النعم : « أحمده على عواطف كرمه ، وسوابغ « 2 » نعمه » فالواقع هو أنّ للنعم الإلهية صفتان وسيعة شاملة ودائمة مستمرة . وليس هذا سوى لقدرته وكمال لطفه الذي أغرق الإنسان بوابل نعمه ولم يقطعها عنه طرفة عين ، ثم قال عليه السلام : « وأومن به أولًا بادياً « 3 » ، وأستهديه قريباً هادياً ، وأستعينه قاهراً قادراً ، وأتوكل عليه كافياً ناصراً » فالإمام عليه السلام يقرن كل شئ بدليله ، فالإيمان به لكونه سابق كل شئ في الوجود وهو واجب الوجود وقد عمت آثاره كافة ارجاء العالم ، كما يستدل على سؤاله الهداية لأنّه الهادي للعباد وهو قريب منهم قادر على هدايتهم . ولما كان الركن الثاني للإيمان - بعد الاقرار للَّه بتوحيد - الشهادة بالنبوة قال عليه السلام : « وأشهد أن محمداً - صلى اللّه عليه وآله - عبده ورسوله » . ثم أشار عليه السلام إلى الوظائف الثقيلة للنبوة ليوجزها بثلاث عبارات : « أرسله لانفاذ أمره ، وإنهاء عذره ، وتقديم نذره » « 4 » . فالعبارة الأولى إشارة إلى قيام النبي صلى الله عليه وآله ودعوته الامّة إلى الإيمان باللَّه ، والعبارة الثانية إلى اتمام الحجة بواسطة إبلاغ أحكام اللَّه واستعراض الأدلة العقلية والمعجزات ، والعبارات الثالثة إشارة إلى بيان العذاب الإلهي في الدنيا والآخرة لُاولئك الذين يعصون أوامر اللَّه سبحانه .
هامش
( 1 ) سورة النحل / 53 . ( 2 ) « سوابغ » جمع « سابغة » بمعنى الواسع والكامل وقد ورد تفسير هذا الاصطلاح في شرح الخطبة 63 . ( 3 ) بادياً أي سابقاً كل شئ من الوجود ، ظاهراً بذاته مظهرا لغيره ، والبادي من بدو بمعنى الظهور والبداية ، فاللَّه‌بادئالوجود ، كما أنّ آثاره ظاهرة عمت السماوات والأرض . ( 4 ) « نذر » جمع « نذير » ، وردت هنا بمعنى الآيات والأخبار التي تحذر من معصية اللَّه .