والنواهي الإلهية بحيث يكون مفهومها قريباً لدى النفس ولا تبقى ألغاز المفاهيم المعقدة . ثم قال عليه السلام :
« ووقت لكم الآجال »
فلكل عمر وأجل معين وقد خط الموت والفناء على جبين الجميع ، سواء كان هذا الأجل هو النهاية القطعية للحياة ؛ أي الأجل المسمى ، أو النهاية المشروطة ؛ أي الأجل المحتوم . فقد قال سبحانه وتعالى : « فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لايَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ » « 1 » وقال : « كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ » « 2 » .
ومن البديهي أن يتجه الإنسان نحو التقوى حين يلتفت إلى تقلب الحياة الدنيا وقصر العمر . ثم قال عليه السلام :
« وألبسكم الرياش « 3 » وأرفغ « 4 » لكم المعاش »
حيث طرح الإمام عليه السلام مسألة اللباس من بين جميع النعم ثم أشار إلى كافة نعم الحياة والعيش ، ولعل كون اللباس من أهم النعم ، الذي لا يقتصر على حفظ الإنسان من البرودة والحرارة ويصونه من الأخطار والصدمات التي تتهدده ويستر عيوبه فحسب ، بل لأنّ القرآن شبه التقوى باللباس في آياته ، ومن هنا كان هنالك تناسب مع أصل الحديث عن التقوى ، وهذا ماحدا بالإمام عليه السلام إلى تقديم الخاص قبل العام في إطار حديثه عن النعم . والجدير بالذكر أنّ وجود هذه النعم الفضيلة الواسعة التي عمت حياة الإنسان لهي الدافع لمعرفة اللَّه وبالتالي تقواه . فكيف يعرف الإنسان هذه النعم ولا يجّد في رعاية حرمة وليها . فقد ورد في القرآن الكريم قوله سبحانه : « يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ » « 5 » . يذكر أن لريش الطيور ألوان مختلفة وجمالية خاصة ، ومن هنا فانّه يعني الزينة أيضاً ، ولما كانت التقوى تستر عيوب الإنسان وتحفظه من وساوس الشيطان وهى زينة له ، فانّ مفردة اللباس في الآية
هامش
( 1 ) سورة الأعراف / 34 .
( 2 ) سورة الرحمن / 26 .
( 3 ) « الرياش » من مادة « ريش » ظاهر اللباس ، كما اطلق على كل نعمة موفورة . وقال بعض شرّاح نهجالبلاغة أنّالريش لا يعني ظاهر اللباس فقط ، فقد ورد في الآية 26 من سورة الأعراف : « يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً » ولكن يبدو أنّ الآية تدل على عكس مراده لأنّ اللباس على نوعين : لباس يغطي بدن الإنسان مصداق ( يواري سواتكم ) ولباس الزينة . وقد أشار القرآن إلى الأمرين ، ثم اتبعه بالحديث عن لباس التقوى « ولباس التقوى ذلك خير » .
( 4 ) « أرفغ » من مادة « رفغ » على وزن هدف بمعنى أوسع ، أوسع عليكم النعم .
( 5 ) سورة الأعراف / 26 .