تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
الشريفة تشير إلى التقوى « 1 » ثم قال عليه السلام : « وأحاط بكم الاحصاء ، وأرصد لكم الجزاء » طبعاً إذا التفت الإنسان إلى هذه المسألة وهى أنّ الحساب الإلهي دقيق - وكأنّه قلعة محكمة يصعب إختراقها حيث لا يسع أي عمل أو قول صدر من الإنسان أن يفلت من الحساب ، كما أنّ كل قول وعمل إنّما يحمل جزائه معه ، فان هذا الأمر سيدعوه إلى الورع والتقوى واجتناب معصية أوامر اللَّه سبحانه ، والعبارة : « أحاط بكم الاحصاء » المستقاة من الآية الكريمة : « وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيءٍ عَدَداً » « 2 » إنّما هي عبارة رائعة تشير إلى أنّ الإنسان قد خضع لدائرة الاحصاء الإلهي بحيث لا يصدر منه شيئاً دون حساب ، والعبارة : « أرصد لكم الجزاء » تصور الثواب والعقاب كمراقب كمن للإنسان بحيث لا يغادر أي عمل صدر منه ، ثم قال عليه السلام : « وآثركم بالنعم السوابغ ، والرفد « 3 » الروافغ ، « 4 » وأنذركم بالحجج البوالغ » الايثار تفضيل الشخص على النفس أم الآخرين ، ومنه ما ورد في الآية 91 من سورة يوسف : « تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا » . أمّا ما تصوره بعض شرّاح نهج‌البلاغة من أنّ الايثار تقديم الآخر على الذات ، أو فيما يحتاجه المؤثر ليس بمستقيم ، ولما لا يمكن تصور أي من هذين المعنيين على اللَّه فليس من الصواب الاتجاه نحو المعنى المجازي . « 5 » على كل حال فان المراد بالعبارة هو أنّ اللَّه سبحانه قد فضل الإنسان على سائر مخلوقاته وأفاض عليه نعمه وكراماته ؛ الأمر الذي صرح به القرآن الكريم : « وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا » « 6 » . فإذا التفت الإنسان إلى هذا النعم الإلهية بما فيها تفضيله على سائر المخلوقات ، سيثار لديه حس الشكر ، وكما أوردنا سابقاً فانّه سيتجه
هامش
( 1 ) هنالك خلاف بين مفسري القرآن وشرّاح نهج‌البلاغة بشأن محل إعراب ( ريشا ) فعدها البعض عطفاً علىلباساً ومن هنا فسروها بشئ أوسع أو مغاير للباس ، بينما اعتبرها البعض الآخر ( مفعول له ) تبين هدف نزول اللباس على الإنسان وهو ستر العيوب ثم الزينة ، ويبدو المعنى الأخير أكثر إنسجاماً مع الآية الشريفة . ( 2 ) سورة الجن / 28 . ( 3 ) « رفد » جمع « رفد » على وزن دفع بمعنى نصيب ، وعطاء وجائزة . ( 4 ) « روافغ » جمع « رافغة » من مادة « رفغ » وكما أشرنا سابقاً فإنها تعني السعة والرفعة . وعلى هذا الأساس فان « الرفد » و « الروافغ » تأتي بمعنى عطايا الله سبحانه وتعالى . ( 5 ) جاء في مقاييس اللغة أنّ أصل هذه المفردة يعنى تقديم الشئ هذا ما صرح به الراغب في مفرداته . وقال‌في كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم : « حقيقة الايثار إثبات الفضيلة وتقديم صاحب الفضل » . ( 6 ) سورة الإسراء / 70 .