دون دليل ، وعليه فانّ مثل هذا الكلام لا يجوز شرعاً ، إلّاأن تثبت هذه التأثيرات وما شابهها بالأدلة العلمية والقطعية . بعبارة أخرى : لامانع من الأخبار عن التأثيرات الطبيعية للأوضاع الفلكية الثابتة في الأرض وحياة الناس ، وما لم يثبت يجوز التحدث عنه على مستوى الاحتمال ، لا على سبيل الحكم القطعي ، عل كل حال فانّ الاعتقاد بمثل هذا التأثير ليس كفراً ولا مخالفاً لاحكام الشرع ، والروايات التي صرحت بالنهي عن تعلم علم النجوم ليست ناظرة لهذا الأمر البتة ، كما لم يكن المنجمون السابقون يعنون بهذا الأمر في أحكامهم . والذي يستفاد من كلمات المنجمين السابقين أنّهم كانوا يقولون بالطبائع التي تشتمل عليها هذه الكواكب على أن لبعضها طبع حار وأخرى بارد وما شابه ذلك . ومما لا شك فيه ان القول بهذه الطبائع للنجوم إنّما نشئ من بعض الاستحسانات والعقائد ، فكانوا يصدرون على ضوئها بعض الأحكام ويصرحون بأنّ الكواكب الفلاني سيقترب هذا الشهر من الكوكب الفلاني ولما كانت طبيعتيهما كذا وكذا فستشهد الأرض الحادثة الفلانية . وحيث يفتقر هذا الاعتقاد إلى الدليل والحكم القطعي لأنّه يقوم على أساساً الحدس والاستحسان فانّ المنجمين المسلمين إنما يذكرون هذه الأمور على سبيل الاحتمال ويصرحون قائلين : يحتمل ظهور مثل هذه الحوادث .
وأخيرا الطائفة الرابعة التي ذهبت إلى أنّ أحوال الكواكب والنجوم علامات على الحوادث التي تقع في المستقبل ، أو تقول جرت السنة الإلهية على وقوع الحادثة الفلانية في الكرة الأرضية إذا حدثت بعض التغييرات في الأفلاك والكواكب ، دون أن تعتقد بالألوهية والربوبية لهذه الكواكب ، وعليه فعقيدته لا توجب الكفر ، إلّاأنّ فعلهم حرام ، لأنّ كلامهم يفتقر إلى الدليل وهو قول بغير علم ولا يستند سوى إلى الظن والوهم والخيال ، وذلك لأننا نعلم أنّ الشرع يحرم كل قول يصدر من الإنسان دون أن يستند إلى علم ويقين وحجة شرعية « وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ » « 1 » كما صرح القرآن قائلًا : « أَتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ مالاتَعْلَمُونَ » « 2 » وقال بشأن الكفار « وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِّعُونَ إِلّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً » « 3 » . ومن جانب آخر فإننا نعلم أنّ الغيب للَّه ووحده العالم بحركة الإنسان وما يواجهه
هامش
( 1 ) سورة الإسراء / 36 .
( 2 ) سورة يونس / 68 .
( 3 ) سورة النجم / 28 .