وما أروع ما قاله الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في شأن المؤمنين المتقين في خطبة « همام » المعروفة :
« إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ ، فَيَقُولُ : أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ، وَرَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي ! اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِما يَقُولُونَ ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ ، وَاغْفِرْ لي مَا لَا يَعْلَمُونَ ! » « 1 » .
أجل ، إنّ أولياء اللَّه يمتعضون ويستاؤون من التملّق والمدح ، ويرون في المدح المقرون بالتملق من العيوب الأخلاقية أيضاً ، وفي ذات الوقت لا يسكتون في مقابل القول الباطل والسلوك المذل المنافي لعزة الإنسان وشرفه ، فلو ارتكب شخص مثل هذا العمل المنافي للأخلاق فإنّهم يسارعون لتوبيخه ولومه .
يقال : إنّ أحد الأعراب جاء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ليسأله العطاء وأخذ يتملق له في حديثه قائلًا : ألست ابن خير الأمهات والآباء ، ألست من حيث الأبناء أكثر شرفاً ! وكنت أكرم من الجميع في أيّام الجاهلية ، والآن في الإسلام أنت زعيمنا وقائدنا . . .
فغضب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من هذا الكلام الملئ بالتملق والتزلف وقال لذلك الأعرابي متسائلًا : « كَمْ دونَ لِسَانِك مِنْ حِجابٍ ؟ » .
فأجاب : إثْنَانِ : شَفَتانِ وَأسْنَان .
فقال صلى الله عليه وآله : « فَما كان في أحَدِ هذَيْنِ مَا يَرُدُّ عَنّا غَرْبَ لِسَانِكَ هذا ! أما إنّه لَمْيُعْطَ أحَدٌ في دُنْياهُ شَيْئاً هُوَ أضَرُّ لَهُ فِي آخِرَتِهِ مِنْ طَلَاقَةِ لِسَانِهِ » « في مسير الباطل » .
وبعد ذلك ومن أجل إسكات هذا الرجل وغلق هذه الصفحة قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله للإمام علي عليه السلام : « يَا عَلِيُّ قُمْ فَاقْطَعْ لِسَانَهُ ! » فقام الإمام وأخذ الرجل معه وتحركا بعيداً فأعطاه الإمام بعض الدراهم وأسكت لسانه « 2 » .
ويؤكد الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر فيقول :
« وَإِيَّاكَ وَالْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ ، وَالثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا ، وَحُبَّ الْإِطْرَاءِ ، فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 192 .
( 2 ) . معاني الأخبار ، ص 171 ، ح 1 .