وهكذا فإنّ محدوديتنا من حيث الزمان ترسم في أذهاننا صورة للماضي والحاضر والمستقبل . فالحاضر هو الزمان الذي نعيش فيه ، والمستقبل هو الزمان الذي يأتي بعدنا ، والماضي هو الزمان الذي كان قبلنا ، أي أنّ المعيار في كل مكان هو وجودنا .
وعليه فما كان زماناً ماضياً بالنسبة لنا ، كان زماناً حاضراً لمن عاش قبلنا بقرن ، كما كان مستقبلياً لمن عاش قبل قرنين ، ونستشف ممّا سبق فقدان هذه المفاهيم لمعانيها بالنسبة للوجود اللامتناهي الحاضر في كل زمان ومكان ؛ فهو يرى الماضي والمستقبل كالحاضر ، وكلها حاضرة عنده على حد سواء .
فمثلًا : الشخص الذي ينظر من نافذة في غرفة إلى قافلة من الجمال إنّما يرى كل لحظة جملًا ، فترتسم صورة في ذهنه عن الماضي والحاضر والمستقبل لهذه القافلة ( لأنّ البوابة التي ينظر من خلالها محدودة ) ، أمّا الشخص الواقف خارج الغرفة وينظر إلى القافلة فهو يراها تتحرك جميعاً في فترة واحدة ! بعبارة أخرى :
كافّة الأحداث حاضرة لدى الوجود الذي يفوق الزمان والمكان . وما نقوله من أنّ الحوادث المستقبلية ليست موجودة الآن صحيح ، لأنّ « الآن » إشارة إلى الزمان الحاضر الذي نعيشه ، إلّاأنّ ذلك لا يعني عدم وجود المستقبل في ظروفه ، بل كل وجود موجود في ظرفه ولا يمكن أن تسلب كلياً من صفحة الوجود ، ويمكن القول إنّ حادثة الغد ليست واقعة اليوم ، لكنّها ليست غير موجودة أصلًا ( تأمل ) .
أجوبة المسائل الشرعية — صفحة 30
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٠