سوى إلى وجود « العلة الأولى » أو بعبارة أخرى إلى وجود أزلي يؤمن به حتى الفلاسفة الماديون . بل المسألة المهمّة لدى الفلاسفة إثبات ما بعد العلة الأولى والذي يتمثل في علمها المطلق التام ، وإثبات هذه المسألة يبدو سهلا عن طريق تأمل نظام الوجود والأسرار والعجائب والقوانين الدقيقة التي تحكم السماوات والأرضين وما تضمه من احياء متنوعة ( تأمل ) .
هذا أول الكلام في الرد على الإشكال المذكور .
الموضوع الآخر الذي تجدر الإشارة إليه أنّ أساس هذا الإشكال في هذه القضية ( لابدّ من علّة وخالق لكل موجود ) . والحال هذا ليس قانوناً كلياً ولا يصح سوى على الوجودات المسبوقة بالعدم ثم ارتدت حلّة الوجود .
توضيح ذلك : هنالك وجودات لم تكن موجودة سابقاً مثل المنظومة الشمسية ومن ثم الكائنات الحية - التي تشمل النبات والحيوان والإنسان - التي يشهد تاريخها على أنّها ليست أزلية الوجود ، بل لم يكن لها وجود خارجي قبل ملايين السنين ثم اكتسبت الوجود لاحقاً . وممّا لا شك فيه أنّ ظهور هذه الوجودات يتطلب بعض العلل والعوامل ، ومن المسلم به أنّ انفصال الكرة الأرضية عن الشمس ( على ضوء نظرية لابلاس أو سائر النظريات ) يعزى إلى عوامل خاصة ، سواءً عرفناها أم لم نعرفها .
كما أنّ ظهور الحياة الأولى في النبات ثم الحيوان والإنسان إنّما يعزى إلى عوامل معينة ، ومن هنا لا يكفّ العلماء عن بذل الجهود بغية التعرف على هذه العوامل ، ولو لم تكن هنالك من علة لظهور هذه الموجودات ، لما كان هنالك من سبب لظهورها في مليون سنة أو بضعة مليارات من السنين ، لماذا لم تظهر في زمان يعادل ضعف هذا الزمان أو نصفه ؟ لا شك أنّ وجود زمان معين لظهورها يعدّ أفضل دليل على أنّ علّة وجودها إنّما تحققت فقط في ذلك الزمان .
أمّا إن كان الوجود أزلياً - سواء كان هذا الوجود الأزلي اللَّه أو المادة - فإنّ مثل هذا
أجوبة المسائل الشرعية — صفحة 27
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٧