ونتيجة الإيمان بهاتين الحقيقتين هي السماح بظهور التفاوت بين الأفراد في الثروة . فإذا افترضنا جماعة استوطنوا أرضاً وعمروها ، وأنشأوا عليها مجتمعاً ، وأقاموا علاقاتهم على أساس أن العمل هو مصدر الملكية ، فسوف نجد أنهم يختلفون بعد مدة من الزمن في ثرواتهم تبعاً لاختلافهم في خصائصهم الفكرية والروحية والجسدية . وهذا التفاوت يقره الإسلام ؛ لأنه وليد الحقيقتين اللتين يؤمن بهما . وعلى هذا الأساس يقرر الإسلام أن التوازن الاجتماعي يجب أن يفهم في حدود الاعتراف بهاتين الحقيقتين .
ولأجل ذلك يرى الإسلام : أن التوازن الاجتماعي هو التوازن بين أفراد المجتمع في مستوى المعيشة ، لا في مستوى الدخل . والتوازن في مستوى المعيشة معناه أن يحيا جميع الأفراد في مستوى واحد من المعيشة ، مع وجود التفاوت في داخل هذا المستوى . وبتعبير آخر : إن الإسلام لا يقر انقسام الناس إلى فقراء وأغنياء ، بل يحاول أن يرفعهم جميعاً إلى مستوى الغنى ، ويسمح بعد ذلك بتفاوت درجات الغنى بين الأفراد .
وقد وردت النصوص في تأكيد مسؤولية الدولة عن رفع مستوى معيشة الأفراد الذين يحيون حياة منخفضة ، بقصد الوصول إلى حالة التوازن العام في مستوى المعيشة . فقد جاء في الحديث عن الإمام الكاظم ( ع ) بشأن تحديد مسؤولية الدولة في أموال الزكاة : « إن الوالي يأخذ المال ، فيوجهه الوجه الذي وجهه الله له ، على ثمانية أسهم للفقراء والمساكين ، يقسمها بينهم بقدر ما يستغنون في سنتهم بلا ضيق ولا تقية ، فإن فضل من ذلك شيء رد إلى الوالي ، وإن نقص من ذلك شيء ولم يكتفوا به ، كان على الوالي أن يمونهم من عنده بقدر سعتهم حتى يستغنوا » .
وهذا النص يبين بوضوح أن الهدف النهائي الذي يحاول الإسلام تحقيقه ، ويلقي مسؤوليته على وليّ الأمر ، هو إغناء كل فرد في المجتمع
اقتصادنا الميسر — صفحة 95
مساهمون: السيد علي مطر الهاشمي
ص٩٥