تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
دراسة سريعة تتطلّب شيئاً من التبسيط والاختصار كهذه الدراسة أن نستوعب المدلول الاجتماعي الكامل للآية ، وإنّما نتناول جانباً واحداً عالجت فيه الآية نقطة أساسيّة في البحث التاريخي تتّصل بفجر التاريخ ومطلع الحياة الاجتماعيّة ، في قوله تعالى : « كان الناس امّة واحدة » . وعلى ضوء ما جاء عن الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام في تفسير هذا الجانب القرآني من الآية نستطيع أن نحدّد المفهوم الإسلامي عن مطلع الإنسانيّة وحياتها الاجتماعيّة الأولى . فالإنسانيّة كانت امّة واحدة ثمّ اختلفت ، فما هي هذه الوحدة التي اكتنفت البشريّة في عهدها الأوّل ؟ وما هي طبيعتها ؟ وكيف تفتّتت ؟ وما هي العوامل في نشوئها وزوالها ؟ * * * إنّ البشريّة كانت امّة واحدة في معيشتها وحياتها ، ولم تنزل الشرائع الإلهيّة إلّا بعد أن تفسّخت هذه الوحدة ودبّ الخلاف في مختلف مرافق الحياة الإنسانيّة . فإرسال الأنبياء بالكتب والشرائع كان مرحلة متأخّرة عن ذلك الدور الذي عاشت فيه البشريّة امّة واحدة ، فماذا كانت تعني تلك الوحدة ؟ إنّها ليست وحدة الهداية والحقّ ، إذ لو كان البشر امّة واحدة مجتمعة على الحقّ والهداية ، لما كان ضروريّاً بعد ذلك إرسال الأنبياء الذي نشأ عنه الاختلاف والتفرّق كما يدلّ عليه قوله : « وما اختلف فيه إلّاالذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البيّنات بغياً بينهم » . فلماذا الرسالات والمرسلون إذا كانت شريعة الحقّ هي الشريعة الاجتماعيّة للبشر ؟ ! كما أنّه لا يستقيم - مع الآية - أن نفترض تلك الوحدة البشريّة الأولى وحدة ضلال وبغي ، لأنّ المفهوم من الآية الكريمة أنّ الاختلاف القائم على أساس البغي والضلال إنّما حصل بعد إرسال الأنبياء وإنزال الكتب . ومن ناحية أخرى : إذا لاحظنا الآية الكريمة نجد أنّها تبرّر إرسال الأنبياء