تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
فيتكوّن المجتمع الإنساني على أساس هذا الشعور النابع من الفطرة ، وبذلك يكون المجتمع فطريّاً . ومن الطبيعي أن يستمرّ المجتمع الفطري على هذا الأساس مدّة من الزمان تسوده الوحدة ، لأنّ البشر في تلك المرحلة الفطريّة لا يملكون من المعارف والتجارب في شؤون الحياة ووسائلها وطرقها إلّاالشيء المحدود الذي لا يتجاوز الفطريّات وبعض المكتسبات البدائيّة ، الأمر الذي كان يجعل الإنسان يتغذّى من أعشاب الأرض ونباتها ، ويتسلّح بالأحجار والصخور ، ويلوذ بالكهوف والمغارات ، ويصطاد أنواعاً متعدّدة من الحيوانات . والمجتمعات الفطريّة التي لا تتجاوز هذه الحدود لا يظهر فيها الاختلاف ، لبساطة آمالها وبدائيّة همومها ومفاهيمها ومحدوديّة وسائلها ومجالاتها . ولكن بعد أن تستمرّ الإنسانيّة وتواصل تجاربها ، يتفتّح وعيها التأمّلي والعملي وتتّسع مجالاتها الحياتيّة وتنمو آمالها وتتعقّد آلامها ، فتخرج بذلك عن الحالة الأولى ، وتصبح نفس القوّة الفطريّة التي كانت توحي إلى الناس بالاجتماع والتعاون - وهي حبّ الذات - سبباً في إثارة النزاع والصراع ، لأنّ الناس عبر اجتماعهم الفطري سوف يختلفون في تجاربهم وإدراكاتهم ، ويتفاوتون في مواهبهم وقواهم ، وكلّ ذلك يجعل غريزة حبّ الذات تدفع الإنسان إلى صرف إمكاناته التي يمتاز بها على الأفراد الآخرين في سبيل مصالحه الخاصّة ، وفي النهاية تدفعه إلى استخدام الأفراد الآخرين لتحقيق تلك المصالح . وهنا يصبح من الضروري قيام حكومة تحافظ على وحدة المجتمع وتماسكه ، وتقف في وجه الاتّجاه الجديد إلى الصراع والنزاع ، ولا يمكن أن تنبثق هذه الحكومة الهادية من نفس المجتمع الإنساني ، لأنّ مصدر المشكلة لا يمكن أن يضع لها الحلّ . وهكذا يجيء دور حكومة الأنبياء بوصفها العلاج الوحيد للمشكلة .
ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 89 | اعداد المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر ( قده )