دون أن تجد من الإسلام الخيط الذي يمكنها أن تتمسّك به لتنتهي إليه ، إنّ هذا الخيط ، إنّ همزة الوصل بين الإسلام والعالم ، أو بين الإسلام والامّة هو الواجهة العلميّة للإسلام ، هو المرآة التي تعكس الإسلام للُامّة . ما هي هذه المرآة التي تعكس الإسلام ؟ هي الفقه .
في الفقه تقرّر أحكام الإسلام ، في الفقه تحدّد مفاهيم الإسلام ، في الفقه تستنبط ، في استيعابه وشموله ومواقفه تجاه مختلف المشاكل والقضايا التي تمتدّ إليها حياة الإنسان . فالفقه بوصفه عملًا علميّاً هو المرآة ، هو الواجهة ، هو المعرّف ، هو المظهر الخارجي الحسّي الذي يعيش حتّى اليوم ، والذي تنعكس فيه الشريعة بأحكامها ومفاهيمها وقوانينها . فالفقه إذن هو همزة الوصل ، وعلى دقّة التعريف وشموله في هذا المعرّف وعلى صفاء المرآة يتوفّر مدى انعكاس الإسلام ، وبالتالي مدى وضوحه كرسالة منقذة قادرة على استيعاب كلّ مناحي حياة الإنسان ، وتقديم الحلول لهذه المشاكل التي تضجّ بها الامّة خاصّة والبشريّة عامّة .
والفقه هنا كما تعلمون تطوّر من حيث الكيف ولم يتطوّر من حيث الكمّ : تطوّر من حيث الكيف ؛ لأنّ أساليبه في الاستنباط تعمّقت وطرائقه في التفكير دقّت ، وأصبح العمق العلمي به ابّهة كبيرة ، إلّاأ نّه لم يتطوّر كمّيّاً ؛ لأنّ الفقه لا يزال يبحث ويتناول نفس المنطقة المحدّدة التي تناولها الفقه منذ ألف سنة أو منذ مئات السنين ، لا يزال الفقه يعالج تلك الحدود المغلقة لمشاكل الإنسان ، لا يزال الفقه ينظر إلى العالم بمرآة ما قبل مئات السنين ثمّ يعالج هذا العالم .
نستطيع أن نقول : إنّ التطوّر في الفقه عمودي ، وليس افقيّاً ، كيفيٌّ وليس كمّيّاً ، أي أنّه تعمّق عموديّاً ولم يتوسّع افقيّاً . وما لم يتوسّع كمّيّاً ولم ينبثق افقيّاً لا يستطيع أن يبرز الرسالة الإسلاميّة بكلّ شمولها وخصائصها وغناها وقدرتها
ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 379
مساهمون: اعداد المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر ( قده )
ص٣٧٩