جوامع فكريّة منقطعة ، وإنّما جاؤوا هداة موجّهين للحياة الإنسانيّة ، وناشرين للنور والهدى والفكر الحيّ في أرجاء العالم . فلكي نسير في هذا الموكب ونكسب شرف الانتماء إليه يجب أن نكتسب منهم نفس النظرة إلى العالم ، ونخترع أهدافاً كبيرة ، وأن نحسّ في أعماقنا أنّنا دعاة قبل كلّ شيء ، وأ نّنا علماء ؛ لأنّ الدعوة تتطلّب منّا أن نكون علماء .
[
كيف نتوغّل في البحث العلمي ؟
] أمّا كيف تتطلّب منّا الدعوة أن نكون علماء ؟ وكيف تفرض علينا التوغّل في البحث العلمي ؟ فهذا ما نختلف فيه عن أصحاب الاتّجاه الثاني ، فإنّنا نرى أنّ العلم والتوغّل فيه إلى أبعد مدى ضرورة من ضروراتنا في طريق أهدافنا الكبرى . ولنأخذ المثال نفسه ، ذاك المثال الذي يوجّهه أصحاب الاتّجاه الثاني ويقولون : إذا فرضنا شخصاً مُني بمريض ، فهل يحاول أن يسعفه فوراً ، أم يحاول أن يتشاغل عن إسعافه في التفلسف في كتاب القانون . . نقول في هذا المثال ذاته : ماذا يصنع هذا الشخص الذي مني بمريض لو لم يكن يملك النظريّة الواضحة المحدّدة لشفاء مرض المريض ؟ أليس الإسعاف يقوم على أساس نظريّة علميّة في الطبّ ، أم هو عمل عمياوي يمارسه الإنسان بدون هدى أو بصيرة ؟ أليس من المنطقي والمعقول أن يبدأ هذا الشخص بتحويل نظريّة يقوم على أساسها الإسعاف ؟ وليس معنى هذا أن يقعد هذا المريض حتّى ينتهي بحثه العلمي بالنظريّة ، بل أن يتخطّى المراحل العلميّة النظريّة ، وإلى جانب ذلك يستخدم كلّ جزء وصل إليه من تلك النظريّة في مجال الإسعاف وإنقاذ المريض . فخطّ الإسعاف هنا يكون مواكباً لخطّ البحث عن النظريّة واقتناصها ، فهو في وقت واحد يمارس العمل النظري العلمي ، وينزل بمكاسب هذا العمل العلمي النظري إلى مستوى التطبيق ، إلى مستوى