أحدها : أنّه لا خلاف بين أهل العربية فى أنّ الإعراب بالمجاورة [ يكون فى مواضع مسموعة عن العرب ] لا يتعدّى إلى غيرها ، و ما هذه منزلته فى الشذوذ والخروج عن الاصول لا يجوز أن يُحمل كلام اللَّه تعالى عليه .
ثانيها : أنّ كلّ موضع أُعرب بالمجاورة مفقود منه حرف العطف الذى تضمّنته الآية ، وعليه اعتمدنا فى تساوى حكم الأرجل والرؤوس ، فلو كان ما ورد من حكم المجاورة يسوغ القياس عليه ، لكانت الآية خارجة عنه ، لتضمّنها من دليل العطف ما فقدناه فى المواضع المعربة بالمجاورة ، ولا شبهة على أحدٍ ممّن يفهم العربية فى أنّ المجاورة لا حكم لها مع العطف .
ثالثها : أنّ الإعراب بالجوار إنّما استحسن بحيث ترتفع الشبهة فى المعنى ، ألا ترى أنّ الشبهة زائلة فى كون ( ضربٍ ) صفة للضب فى قولهم : جحرُ ضبٍّ خربٍ والمعرفة حاصلة بأنّه من صفات الجحر ، وليس هكذا الآية ؛ لأنّ الأرجل يصحّ أن يكون فرضها المسح كما يصحّ أن يكون الغسل ، والشكّ حاصل فى ذلك واقع غير ممتنع ، فلا يجوز إعمال المجاورة فيها لحصول اللبس والشبهة . « 1 »
فإن قيل : كيف ادّعيتم أنّ المجاورة لا حكم لها مع واو العطف مع قول الشاعر ( وأنشد البيت ) ؟ ثمّ قال الشيخ رحمه الله : فأمّا قول الشاعر : ( فهل أنت إن ماتت . . . ) البيت ، فيمكن أن يكون الوجه فى ( خاطب ) الرفع ، وإنّما جرّ الراوى وهماً ، ويكون عطفاً على ( راحل ) « 2 » ويمكن أن يكون المراد بخاطب الأمر « 3 » وإنّما جرّ لإطلاق الشعر .
هامش
( 1 ) . وقد أوردت السيدة هدى جاسم محمّد أبو طبرة عدّة وجوه محكمة فى ردّ الإعراب بالمجاورة ، خلال تحقيقها لرسالة ( نهاية الإقدام فى وجوب المسح على الأقدام ) ، للشهيد الثالث ، راجع : مجلّة تراثنا العدد ( 47 - 48 ) ، ص 411 - 415 .
( 2 ) . وأشار الشيخ فى ( التبيان ) إلى أنّ الوجه فى ( خاطب ) الرفع ، وأنّ الشاعر قد أقوى لأنّ القصيدة مجرورة ، وهذا الوجه متين ، ذلك لأنّ الإقواء جارٍ على ألسنتهم كثيراً ، وهو المخالفة بين حركة الرويّ المطلق بكسر وضمّ ، قال النابغة الذبياني :زعم البوارح أنّ رحلتنا غداً * وبذاك حدّثنا الغُدافُ الأسودُ
لا مرحباً بغدٍ ولا أهلًا به * إن كان توديع الأحبّة فى غدِراجع ديوان النابغة ، ص 38 ، ولعلّ البيت الذى ذكرناه لا يخرج عن هذا الإطار .
( 3 ) . أى فخاطبنى وأجبنى عن سؤالى .