الأربعمائة . « 1 » وقد استقرّ الأمر على اعتبارها والتعويل عليها والاحتفاظ بها حتى بقى بعضها إلى يومنا هذا متداولًا بين أيدى الناس ، وكانت تشكّل المراجع الأوّلية لمجاميع الحديث ، فقد دوّنت مضامينها فى الكتب الأربعة المجموعة منذ أوائل المائة الرابعة إلى أواسط المائة الخامسة ، وهى : الكافى والفقيه ، و التهذيب ، و الاستبصار . وهى تعدّ خلاصة آثار أهل البيت المعصومين عليهم السلام وعيبة سننهم القائمة ، وحجّة المتفقّهين عصوراً طويلة ، ولا تزال موصولة الإسناد والرواية مع تغيّر الزمان وتبدّل الدهور .
و من كلّ ما تقدّم يُعلم أنّ ما اعتذر به عن النحويين فى تركهم الحديث النبوى ، لا يمكن الاعتذار به عنهم فى تركهم حديث صنوه وأخيه وحديث بضعته ، وحديث ذرّيته صلوات اللَّه عليهم أجمعين ، إذن لابدّ من وجود أسباب اخرى حالت دون استفادتهم من ذلك الكنز الثمين .
وفى حدود تتبّعى لمعظم الدراسات النحوية اللغوية قديماً وحديثاً ، لم أجد من تناول هذا الموضوع الخطير ، ولعلّهم تحاشوا الخوض فيه ، وآثروا تركه خوفاً من نتائجه التى قد تكون بتقديرهم صفعة قوية بوجه نحاتنا الأقدمين .
بيد أنّ التأمّل فى هذا الموضوع يكشف عن براءة النحاة الأوائل من كلّ إدانه ، ذلك لأنّهم عاشوا التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة بكلّ مضامينها ، وهم كبشر لا يستطيعون السباحة ضدّ التيّار الجارف الذى لم يبقِ شيئاً لأهل البيت عليهم السلام و لم يذر .
أمّا بنو أمية فقد أمروا الناس بسبّ أمير المؤمنين عليه السلام والبراءة منه ، وخطبوا بذلك على منابر المسلمين ، حتى صار سنّة فى أيّامهم ، إلى أن قام عمر بن عبدالعزيز فأزاله . « 2 »
ومنعوا من إظهار فضائله عليه السلام وعاقبوا على ذلك الرواة لها حتى إنّ الرجل إذا روى عنه حديثاً لا يتعلّق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه فيقول : عن أبى زينب . « 3 »
أمّا فى زمان بنى العباس فقد كان الأمر أشدّ وأقسى ، ويكفى الباحث أن ينظر إلى
هامش
( 1 ) . راجع : دائرة المعارف الإسلامية حسن الأمين ، ج 5 ، ص 32 ؛ أعيان الشيعة ، ج 1 ، ص 140 ؛ الذريعة آقا بزرگ ، ج 2 ، ص 125 - 167 .
( 2 ) . شرح ابن أبى الحديد ، ج 4 ، ص 56 .
( 3 ) . المصدر نفسه ، ج 4 ، ص 73 .