الاستشهاد بالقرآن والحديث
أجمع علماء اللغة والنحو على اتّخاذ القرآن الكريم على رأس مراجع الاحتجاج فى جميع علوم اللغة ، لإثبات صحّة لفظ أو تركيب أو معنىً من المعانى « 1 » وذلك باعتباره قمّة البلاغة والفصاحة فى اللغة العربية ، وأعلى مراحل البيان العربى الذى أعجز العرب عن أن يأتوا بمثله ، فقد سفّه أحلامهم ، وسخر منهم ، وتحدّاهم فى عقر دارهم وهم أهل الفصاحة والبيان حين وصفهم بالعجز عن الإتيان بسورةٍ واحدة من مثله ، ووصف الإنس والجنّ بالعجز عن الإتيان بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً .
أمّا الحديث النبوى الشريف ، فمن المسلّم به أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كان أفصح من نطق بالضاد ، فهو القائل : « أنا من قريش ، بيد أنّى أفصح العرب . . . » « 2 » و لم يكن صلى الله عليه و آله يتكلّم إلا بأفصح اللغات وأحسن التراكيب وأشهرها وأجزلها ، وعلى ذلك إجماع المسلمين منذ فجر الرسالة إلى يومنا هذا ، ورغم ذلك فقد وقع الاختلاف بين اللغويين والنحويين فى صحّة الاحتجاج بالحديث ، فاللغويون لا يوجد بينهم من منع الاستشهاد بالحديث لأجل الاستدلال على معانى اللغة ، ومصادر فقه اللغة والمعاجم اللغوية زاخرة بالأحاديث والأخبار ، أمّا النحاة فقد اختلفوا فى ذلك بين مانعٍ ومجوّزٍ و آخر متوسّط بينهما .
1 . المانعون من الاستشهاد بالحديث
ذكر أبو حيّان فى ( شرح التسهيل ) أنّ الواضعين الأولين لعلم النحو ، المستقرئين للأحكام من لسان العرب كأبى عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر والخليل وسيبويه من أئمّة البصريين ، والكسائى والفرّاء وعلى بن المبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمّة الكوفين ، لم يستدلّوا بما وقع فى الأحاديث على إثبات القواعد الكليّة فى لسان
هامش
( 1 ) . راجع : المعجم المفصلّ ، ميشال عاصى وإميل بديع ، ج 1 ، ص 48 .
( 2 ) . الشفا القاضى عياض ، ج 1 ، ص 178 ؛ الفائق الزمخشرى بيد ، ج 1 ، ص 126 .