شرح
الثاني : أن يكون معنى « ما شاء اللَّه كان » كما تقدّم ، و « مالم يشأ لم يكن » بمعنى :
ما دام لم تتعلّق به مشيّته لم يكن ، بخلاف العبد ، فإنّ الشيء قد يكون بمشيّة اللَّه تعالى وإن لم تتعلّق به مشيّة العبد .
الثالث : أن يكون معنى « مالم يشأ لم يكن » : ما شاء أن لا يكون لم يكن ؛ لمقابلة ما قبله ، نحو قوله تعالى :« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ »« 1 » فإنّ ظاهره - واللَّه أعلم - أنّ المعنى : ومن يحكم بغير ما أنزل اللَّه ؛ لأن لا يدخل في الحصر من لم يحكم بشيء أصلًا . ومثلُه كثيرٌ .
الرابع : أن يكون معنى المشيّة هنا فيما يتعلّق بفعل العبد أن يتركه على حاله ، ولا يحول بينه وبين الفعل ، فيصدق حينئذٍ أنّ كلّ ما شاء اللَّه كان ممّا يشمل فعل العبد ، وإن كان اللَّه تعالى لا يريده منه ولا يرتضيه ، وما لم يشأ بمعنى مَنَعَه منه فيما يتعلّق به ، وما يتعلّق به تعالى وجهه ظاهر .
وبهذا المعنى فسّر الصدوق رحمه اللَّه في كتاب الخصال ما يقرب من هذا « 2 » ، وأظنّه في كتاب التوحيد أيضاً .
وقد يفسّر المشيّة في نحو هذا بالعلم ، بمعنى أنّ كلّ ما علم اللَّه أنّه يكون ، فلابدّ أن يكون ، وما علم أن لا يكون ، فلا يكون .
وفي كلّ هذه الأوجه تنزيه له تعالى عن القبيح الذي يلزم من قول أهل الجبر ، وتمسّكهم بمثله . وإنّما أطلنا الكلام هنا لأنّ ما ذكر لعلّه ينفع في مواضع اخر ؛ واللَّه تعالى أعلم .
فإن قلت : هل يجوز أن تكون « لمّا » مشدّدة بمعنى « حين » ؟
قلت : وجود « من » ينافي هذا الوجه ، ولولاها لصحَّ أيضاً .
هامش
( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 45 .
( 2 ) . الخصال ، ص 631 .