شرح
وخلقه تعالى أقسام : منهم من يكون له به تمام العناية ، بأن يسدّده ويوفّقه لقبول الحقّ والعمل به زيادةً عن أصل اللطف الذي يشترك فيه هذا وغيره ، وتعلّق الاستنقاذ والمشيّة بهذا ظاهر .
وقسمٌ يختار من نفسه الطاعة بالاختيار الذي أعطاه اللَّه تعالى كلّ مكلّف ، وهذا أيضاً قد شاء اللَّه استنقاذه .
ولا يتوهّم من هذا القسم كون الأوّل مجبوراً ؛ فإنّ لطف اللَّه تعالى به زيادةً عن غيره لا يقتضي سلب الاختيار ، نعم قد يتّحد مع هذا بأن يكون سبب تلك العناية طاعته وانقياده .
وقسمٌ خلطوا عملًا صالحاً وآخر سيّئاً . وهؤلاء قد يشاء اللَّه إدخالهم أو بعضهم في قسم المستنقذين بالعفو عنهم ، وقد لا يشاء بمقتضى عدله .
وقسمٌ بقوا على كفرهم أو ضلالتهم وهؤلاء لم يشأ اللَّه استنقاذهم ؛ من حيث إنّهم أعطوا القدرةَ والاختيار ، واتّبعوا أهواءهم من غير جبرٍ لهم على ذلك . ولو شاءاللَّه أن يجبر هؤلاء على الطاعة لفَعَلَ ، ولكن حكمة التكليف اقتضت ذلك ، كما قال اللَّه « 1 » تعالى :« وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ »« 2 » . فمشيّة اللَّه تعالى لاستنقاذ من شاء من حيث إنّهم يختارون الطاعة ، أو من حيث علمه بمَن يُطيع ومن لا يُطيع ؛ شاء أن يستنقذ المطيع بالحجج التي يتبعها . وعلمه تعالى غير مؤثّر في المعلوم .
والمشيّة لها معانٍ متعدّدة ، لكلّ مقام منها معنى ؛ وستأتي إن شاءاللَّه تعالى .
الوجه الثاني : أن يكون راجعاً إلى « من » وهو عائد الموصول . والمعنى حينئذٍ :
أنّه تعالى نَصَبَ الحجج والدلائل لتعلّق إرادته باستنقاذ مَن شاء مِن الخَلْق الاستنقاذ
هامش
( 1 ) . في « ألف ، ب » : « قاله » بدل « قال اللَّه » . وفي « د » : - / « اللَّه » .
( 2 ) . يونس ( 10 ) : 99 .