شرح
أو الطاعة وعمل بما يقتضيه .
وهذا الوجه بحسب المعنى لا تدخله شبهة من شبه أهل الجبر . والمفعول كثيراً مّا يحذف لقرينة ، والقرائن هنا كثيرة ، حاليّة ومقاليّة ، إلّاأنّه خلاف الظاهر من هذا التركيب .
وهذا الوجه يقرب من معنى قوله تعالى :« فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا »« 1 » ، وقوله تعالى :« لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ »« 2 » فإنّه يدلّ ظاهراً - واللَّه أعلم - على أنّ اللَّه تعالى أعطى عباده القدرة والاختيار لسلوك السبيل إلى اللَّه والاستقامة وعدمها ، مع ما تظافرت به الأدلّة على نفي الجبر وتكليف مالا يطاق ، واستلزام ذلك العبث في حقّه تعالى ونسبة الظلم إليه .
فإن قلت : ما بعد ذلك - وهو قوله تعالى :« وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ »« 3 » - يدفع ذلك .
قلت : بعد أن علم وتقرّر أنّ اللَّه تعالى منزّه عن الظلم والعبث والاضطراب في كلامه ، فأيّ وجه لكونه تعالى يعد ويهدّد ويقول : من شاء فعل كذا ، ثمّ يأتي بما يدلّ على أنّهم ليس لهم قدرة على ذلك ؛ فلابدّ من الحمل على معنى لا يتناقض به كلامه تعالى .
وقد ذكر أهل العدل والحقّ في تفسيرهم أنّ المعنى : وما تشاؤون ذلك إلّاأن يشاء اللَّه إجباركم على الاستقامة واتّخاذ السبيل إليه .
أقول : فالخطاب للجميع ، والمعنى أنّ الجميع لا يفعلون إلّاأن يجبر من لا يفعل ؛ فيتعلّق الفعل بالجميع ؛ أو أنّ الخطاب لمن لم يشأ ؛ واللَّه أعلم ؛ أو ما تشاؤون ذلك إلّاواللَّه يشاؤه .
ويخطر بالبال وجه يرجع إلى الثاني ، وهو مقتضى هذا التركيب ، وذلك أنّ
هامش
( 1 ) . المزّمّل ( 73 ) : 19 .
( 2 ) . التكوير ( 81 ) : 28 .
( 3 ) . التكوير ( 81 ) : 29 .