الحاصل : أنّه لمّا كانت الثنويّة تقول : إنّ اللَّه تبارك وتعالى خلق الأشياء من أصل قديم ، فلا يكون تدبير « إلّا باحتذاء مثال » ، أيباقتداء بمثال ، وكان دليلهم على ذلك قولَهم : « لا يخلو من أن يكونَ الخالِقُ خلَق الأشياءَ مِنْ شيءٍ ، أو مِنْ لا شيء » ، فهو إحالةٌ ، أيقول بالمحال ؛ لأنّ « لا شيء » عدمٌ محض ، فلا يكون مصدراً وعلّة مادّيّة لشيء ؛ فلزم أن يكون من شيء .
وأمّا القول بأنّه قديم ؛ فذلك لأنّه لو كان حادثاً ردّد فيه الكلام كما فعل ، فيلزم التسلسل أو الدور ، ردّ عليه السلام عليهم ، ونفى ماردّدوا الكلام فيه ، فقال : « إنّما خلق الأشياء لا من شيء » ، فأدخل النفي على « مِن » ، فنفى الشيء ، وترديدُهم إنّما كان يتمّ بعد القول بأنّه خلق من شيء ، وأنّ ذلك هو شيء أو لا شيء .
والحاصل : أنّ خَلْقه تعالى الأشياء لا بشرط ، فانتفى كونه بشرط شيء أو بشرط لا شيء . والدليل على أنّه لا من شيء أنّه لو كان من شيء ، فإمّا أن يكون ذلك الشيء حادثاً أحْدَثَه الخالق عزّ وجلّ ، أو قديماً ؛ والثاني باطل ؛ للزوم تعدّد القدماء ، وقد برهن على استحالته . والأوّل ننقل الكلام إلى ما حدَث منه حتّى يلزم كونه حادثاً لا من شيء .
وجميع ما ذكرته يظهر من كلامه عليه السلام بعد التأمّل . فقوله عليه السلام : « ما كان » ، أيجميع ما تكوّن ووجد .
وقوله عليه السلام : ( قدرةٌ بانَ بها من الأشياء ) .
لما كانت قدرته تعالى قدرة ظهرت بسببها الأشياء ؛ لأنّها السبب في حدوث الأشياء اختراعاً وابتداعاً من غير أصل ولا مادّة ، فهي كالسبب ؛ لبُعْدِه وتنزهّه عن مشابهة الأشياء .
قوله عليه السلام : ( وبسببها « 1 » بانت الأشياء منه ) .
أي بعدت عن مشابهته ؛ لأنّ الأشياء كلّها عاجزة مفتقرة .
هامش
( 1 ) . في الكافي المطبوع : - / « بسببها » .