قوله عليه السلام : ( حَدَّ الأشياءَ كُلَّها عند خَلْقِه . . . ) .
أي لمّا خلق اللَّه تبارك وتعالى الأشياء جعل لكلّ واحد واحد منها حدّاً وعلامة ( إبانةً لها مِنْ شِبْهِه ) ، أيإبعادَ التوهّم أنّها مشابهة له ، ( وإبانةً له من شِبْهِها ) ، أيلأجل أن ينزّه من شبهها ، لا فيها من الدلائل الظاهرة الدالّة على احتياجها وافتقارها إلى خالق ومدبّر .
ثمّ لمّا كان لفظ الإبانة يوهم الانفصال بعد الاتّصال قال عليه السلام : ( فلَمْ يَحْلُلْ « 1 » فيها ، فيقالَ : هو فيها كائنٌ . . . ) .
ثمّ لمّا أوهم نفي الكون فيها وعدم البعد عنها أنّ له مكاناً آخر قريباً منها قال عليه السلام : ( لم يَخْلُ منها ، فيقالَ له : أينَ ، لكنّه سبحانه أحاطَ بها علمُه . . . ) . فبيّن أنّ المراد بالخلوّ عنها وعدم البعد الخلوّ عنها وإحاطة علمه وقدرته بها ، لا ما يسبق إلى بادئ الرأي من هذه الألفاظ .
قوله عليه السلام : ( لكلّ شَيْءٍ منها حافظٌ ورقيبٌ ) أيإنّ كلّ شيء من الأشياء له حافظ ورقيب .
ثمّ بيّن بقوله : ( وكلُّ شَيْءٍ منها بِشيءٍ محيطٌ ) أنّ ذلك الحافظ هو من الأشياء المخلوقة ، وأنّه تعالى خَلَقَ جميع الأشياء خَلْقاً يَحتاجُ كلّ منهم في بقائه وتأثيره الأثر الذي قدّره اللَّه له إلى الآخر .
ثمّ بيّن عليه السلام أنّ المحيط العالم بجميع الأشياء القادر الخالق لها هو اللَّه تبارك وتعالى بقوله : ( والمحيطُ بما أحاطَ منها الواحدُ الأحدُ الصَمَدُ . . . ) .
وإنّما خصّ الإحاطة بالأشياء المحيطة في قوله : « والمحيط بما أحاط » ، أي بالذي أحاط ؛ لأنّ جميع الأشياء موصوفة بهذا الوصف مجملًا ، كما بيّنه عليه السلام ؛ ولأنّ المحيط بالمحيط محيطٌ بالمحاط أيضاً .
هامش
( 1 ) . هكذا في كثير من نسخ الكافي ، وفي الكافي المطبوع : « لم يحلل » .