ودَنا فتعالى ، وارتفَعَ فوقَ كلِّ مَنظرٍ ؛
شرح
ومرجع علوّه تعالى إمّا إلى أنّه لا يساويه شيء في الشرف والمجد والعزّ ، فمعناه التنزيه ؛ أو إلى أنّه قادر على الكلّ ، فيرجع إلى الصفات الذاتيّة ؛ أو إلى أنّه متصرّف في الكلّ ، فيرجع إلى صفات الفعل .
وأصل العلوّ في المكاني أنّ الإنسان إذا بَعُد عن آخر إلى جهة العُلوّ ، كان العالي أقدر على من دونه ، والسافل أبعد عن الوصول « 1 » إليه ممّا إذا كان بعيداً عنه إلى غير جهة العلوّ ، وكانت مرتبته في المكان أشرف من مرتبته ؛ واللَّه تعالى منزّه عن هذا العلوّ .
ومنه يظهر العلوّ الرتبي والشرفي .
واعلم أنّك إذا قلت : « علا فعلا » ، أو « ارتفع فارتفع » أفاد الثاني زيادة عن الأوّل في ذلك الفعل ، وهذا كذلك مع زيادة على الزيادة من جهة زيادة البناء .
قوله : ( ودَنا فتعالى ) .
يعني أنّه تعالى مع علوّه قريبٌ علماً من كلّ شيء ، محيطٌ علمه بكلّ شيء .
وأتى ب « تعالى » بعده لما يشعر به لفظ « دنا » ، ففيه مع إفادته علوّه تعالى مع دنوّه تنزيهُه عمّا يشعر به ظاهر لفظ « دنا » .
قوله : ( وَارْتَفَعَ فوقَ كُلِّ مَنْظَرٍ ) ، أيارتفع شأناً وعظمةً عن أن تدركه أنظار العقول والأوهام والأبصار وغيرها ، أو عن أن يكون محلّاً لنظرها .
وقد يكون « المنظر » : المكانَ الذي يُنظر منه إلى ما يراد النظر إليه ، وكلّما ارتفع كان تحصيل المنظور إليه أسهل ، والاطّلاع عليه والإحاطة به أكثر .
فالعقول ونحوها لو ترقّت إلى أعلى ما يتصوّر من الارتفاع المعنوي ، فاللَّه
هامش
( 1 ) . في « ج » : « الموصول » .