16 . عليُّ بن محمّد ، عن سهل بن زيادٍ ، عن النوفليّ ، عن السكونيّ ، عن جعفر ، عن أبيه عليهما السلام ، قال : « قال أمير المؤمنين عليه السلام : إنَّ قلوبَ الجُهّالِ تَستفِزُّها الأطماعُ ، وتَرتهنُها المنى ، وتَستعلِقُها الخدائعُ » .
شرح
الإنسان بمالا يعقل ، فأيّ فائدة في أمرهم عليهم السلام بذلك ؟
قلت : قد اقتضت حكمة اللَّه سبحانه أنّه لم يفوّض إلى أنبيائه التبليغ بمجرّد دلالة العقل ، بل بأمر منه تعالى في غير ما ثبت فيه التفويض ، وأمرهم بالتبليغ المطلق قد لا يظهر للأنبياء كونه بقدر عقولهم أو بقدر عقول المخاطبين ، فإنّ الأنبياء أيضاً لا يعلمون وجوه حكمته تعالى إلّابتعليم منه ، ولا يفعلون إلّاما أمروا به ، ولو كان مدلولًا عليه بالعقل .
قوله عليه السلام في حديث السكوني : ( إنّ قلوبَ الجُهّالِ تَستَفِزُّها الأطماعُ ، وتَرتهنُها المنى ، وتَستعلِقُها الخدائعُ ) .
لا شبهة في أنّه إذا لم يعمل الإنسان بمقتضى عقله كانَ جاهلًا ، فتستفزّه الأطماع ، أي تستخفّه ، بمعنى أنّها تجده خفيفاً ، فتطلب لخفّته انقياده إليها ، فتجده سريعاً إلى إجابتها . وهنا شأن كلّ من استخفّ شيئاً وأراد انقياده ؛ بخلاف العاقل ، فإنّ الأطماع تستثقله ، فلا تقدم على تسخيره .
« وترتهنها المنى » أي تجعلها كالرهن الذي لا ينتفع به صاحبه ما دام رهناً ، وإذا فكّه خرج عن الرهن . وقلوب الجُهّال مرهونة عند الأمانيّ ، مسلّطة على منعها عمّا تستعمل فيه ، فهي في يدها وتصرّفها ، ومانعة إيّاها عن التصرّف في غير ما يتعلّق بها ، بخلاف قلوب العقلاء ، فإنّها تتصرّف كيف ما اقتضاه العقل .
« وتستعلقها الخدائع » من العلق وهو الهوى ، يقال : علقها بالكسر وعلق حبّها بقلبه ، أي هواها . والمعنى أنّ الخدائع تجعل قلوب الجهّال متعلّقة بها وهاوية إيّاها كتعلّق العاشق بالمعشوق .
ويحتمل بعيداً أن يكون من الإعلاق ، وهو إرسال العلق على الموضع ليمصّ الدم ؛ أو من العلق وهو الدم الغليظ ، والقطعة منه : علقة .