تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المنظوم من كلام المعصوم ( وتليه الحاشية على أصول الكافي ' كتاب التوحيد '" ) " — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
وما يصلُحُ إلّاللعبادة ، فقال له العابد : إنّ لمكاننا هذا عيباً ، فقال له : وما هو ؟ قال : ليس لربّنا بهيمةٌ ، فلو كان له حمار رَعَيْناهُ في هذا الموضع ، فإنّ هذا الحشيشَ يَضيعُ ، فقال له ذلك الملكُ : وما لربّك حمارٌ ؟ فقال : لو كان له حمارٌ ما كان يَضيعُ مثل هذا الحشيشِ ، فأوحى اللَّه تعالى إلى الملك : إنّما اثيبُهُ على قَدْر عقله » .
شرح
ذكر عليه السلام هذه القصّه مثلًا للذي يقلّ ثوابه وإن كثر عمله إذا لم يكن عمله مقروناً بما ينبغي متابعة العقل فيه ، وهذا العابد كانَ عليه أن يعرف اللَّه حقّ معرفته التي تجب عليه بالتعلّم ونحوه ، لتكون عبادته وعمله مع كمال العلم ، ليكون ثوابه على أقلّ من هذه العبادة أكثر منه عليها . وقلّة ثواب هذا العابد باعتبار اتّباع عقله في الجملة ، وإلّا فالعمل من غير متابعة أصلًا لا يكون له ثوابٌ إلّاما استثنى نادراً . فقوله تعالى : ( إنّما اثِيبُه على قَدْرِ عَقْلِه ) معناه - واللَّه أعلم - على قدر عقله لما ينبغي أن يعقله ، وهذا مقصّر في ذلك كغيره ممّن ذَمَّه اللَّه تعالى على عدم العقل . والقرآن وغيره مشحونان به ، وأكثر الآيات التي في حديث هشام الآتي من هذا القبيل . ويحتمل قوله تعالى : « إنّما أثيبه على قدر عقله » وقول أبي عبداللَّه عليه السلام : « إنّ الثواب على قدر العقل » وجهاً آخر لا ينافي عدله تعالى أيضاً ، وهو أنّ مَن أعطاه اللَّه تعالى حصّةً من العقل ، كانَ ثوابُه بمقدار متابعته لتلك الحصّة ، وعقابُه بمقدار مخالفته لها ، فإذا زاد عن المتابعة التي يؤدّى إليها العقل ، كانت تلك الزيادة صادرة عن غير عقل ، فيكتب له ثواب ما تعلّق بالعقل فقط ، والزائد إمّا أن ينهاه العقل عنه ، فيرجع إلى العمل به ، فيكون مخالفاً له ، فيعاقب عليه ، وإمّا أن يفعله من غير ملاحظة دخوله تحت نهيه مع عدم معرفته لذلك أو من غير تعلّق له بما عنده من العقل ، فهذا الزائد لا ثوابَ له عليه .